أدب وفن

الإله السوري المغيب …..فائزة داود

الشبكة مباشر

الإله السوري المغيب

تخزن الذاكرة الجمعية لكل مجتمعٍ حكماً وأمثالاً تتخذ منحى حكائياً غالباً ما يكون معشقاً بجانبٍ فانتازي شيق ورؤية غيبية هادفة, والحكاية التي كانت الجدات يرددنها على مسامع الأبناء والأحفاد تقول إن الإنسان الذي يقطع شجرة سنديان أو بلوط لا ينجب أطفالاً، والماعز التي تقضم غصن بلوط أو سنديان يصبح حليبها ساماً، وإذا كان جدياً فأنه يضعف حتى يموت، إلى ما هنالك من العقوبات التي تطال كل من يعتدي على الأشجار خاصة منها أشجار البلوط والسنديان التي تحيط بالمقامات حيث يخطف صاحب المقام وفق الحكايات المتواترة الشجرة المقطوعة من سارقها ثم ينتقم منه كأن يجعله يتعثر وتنكسر يده أو رجله أو يمرض ويصاب بداء الهلوسة.
ساهمت هذه المتواترات الشعبية إلى حدٍ كبير في حماية ثروتنا الحراجية, ومع تكرارها صنفت الأشجار المحيطة بالمقامات في المرتبة الأولى لناحية قدمها على مستوى العالم. وحين كبرنا علمنا أن الحكايات كانت تركز على شجرتي البلوط والسنديان لهدفين رئيسيين أولهما يتعلق بكونهما المسؤولتين إلى حدٍ كبير عن جذب المطر ووفق القناعة الجمعية فإن الله يستجيب لنداء الأشجار المحيطة بالمقامات وليس إلى صلاة البشر, وثانيهما يتعلق بخشبهما الثمين والذي يصلح لكل الحاجات البشرية.
على أن السؤال الذي شغلنا فيما بعد يتعلق بارتباط كثافة أشجار البلوط والسنديان بالمقامات التي تحمل اسم الخضر أو مارجرجس وغيرها من الأسماء التي وإن تنوعت فهي توحدت ضمن ثقافة تنص على حماية الشجرة ومعاقبة كل من يشذ عن هذه الثقافة الجمعية المتوارثة عبر أجيالٍ يعود تاريخ الإعتقاد بها إلى سوريا ما قبل الميلاد, ولا خلاف في القول أن الفكر المثيولوجي الغيبي جعل المستعمرين الذين تناوبوا على منطقة شرق المتوسط وتشربوا أساطيرها يتهيبون الغابات المحيطة بالمقامات تماما كأصحاب الأرض.
إله الخضرة الذي غدا منسياً بين أهله هاجر عبر المتوسط إلى العالم وصار له اتباع وجمعيات مدنية تعنى بشؤون البيئة, وبعيداً عن التذكير بالجمعيات العالمية التي أطلقت على نفسها اسم ذلك الإله السوري تبدو استعادته في الظروف الحالية ضرورة ملحة ذلك لأن الغابات والمحميات الطبيعية يتم استباحتها بطريقة تذكرنا بسلوك البدوي الذي يرى الشجرة وحشاً يتربص به فيقطعها ويطعم أوراقها لأغنامه ويتدفأ على عظامها, وهذا ما يحدث الأن في بعض الأماكن حيث انفلت البعض بحجة البرد القارس إلى قطع كل ما تقع عليه أيديهم من أشجار معمرة مع الإشارة إلى أن الثروة الحراجية هي كل ما يملكه الإنسان في تلك الأماكن. ولكن هل يمكن إعادة ذلك الإله السوري إلى موطنه الأصلي ضمن الحس البدوي الذي ترسخ في عقول البعض؟ ألا نحتاج من أجل عودته وبعيداً عن القوانين التي وضعت كي يتاجر بها إلى حكايات الجدات وكذلك إلى روح الإنسان السوري الذي عرف عبر التاريخ بحسه الجمالي ورؤيته الحضارية العابرة للقارات ؟ فائزة داود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى