أدب وفنمقالات

محاورة أبينا أدم (عليه السلام)

#الشبكة_مباشر_دريد السامرائي دبلوماسي متقاعد

فكرت في أبينا آدم (عليه السلام ) وأمنا حواء, وعصيانهما أمر الله وطردهما من مقر إقامتهما العلوي إلى مكان دنيوي سفلي. وما أورثاه هما وولديهما قابيل وهابيل إلى ذريتهم في هذا العالم الطافح بالويلات والشرور.
.. تململت زوجتي.. رفعت رأسها.. نظرت إليّ بصمت.. عيناها مسبلتان تعبتان.. حزينتان. استطعت أن أملأ رئتي من هواء الباص.. مخلفات أنفاس ركاب الباص. لم تنطق بشيْ. قلت لها: أعيدي رأسك على صدري, نامي. أردت أن أقول لها: لا تفكري بأي شيء, إلا أني استطعت أن أرد كلماتي قبل انفلاتها, خوفاً من إثارتها.. إخافتها من قولي: لا تفكري بأي شيء.
.. عدت إلى كتم أنفاسي إلا بالقدر الذي يبقيني بعيداً عن حد انقطاع النفس, من أجل أن لا أزعجها بتصاعد صدري وهبوطه في حالتي الشهيق والزفير.
وضعت كفي الأيمن على خدها الأيسر, همهمت.. ابتسمت.. غفت.. عادت إلى عالم أحلامها ورؤاها.
.. عدت إلى أبي آدم.. حاورته حواراً طويلاً, كنت فيه خارج ليل الطريق.. خارج المكان والزمان. كنت منتصباً إلى جانبه, وهو مستلقٍ على حصيرسندسي, تحت شجرة ظليلة من أشجار التفاح. كانت حبات التفاح فواحة.. متدلية , دانية القطوف. لاحظته عندما كان يتناول حبة التفاح, فقط يفتح فاه, فتنزلق التفاحة في فمه الماخوري, رغم حجمها الذي يفوق حجم البطيخة الكبيرة, ولم ألحظ إن كان يقضمها أو يمضغها أو يسرطها (يبلعها ). يبدو لي أنه مولع بأكل التفاح, ربما لفوائده الصحية الكثيرة, رغم أن الكثير من المصادر تشير إلى أن شجرة التفاح كانت هي الشجرة الملعونة لتي قادت إلى عصيانه, وبالتالي إلى عقوبته وطرده مع رفيقته من النعيم إلى عالم الخراب, حيث الأخ يستبيح دم أخيه, وحيث العهر يسود الأرض.
.. وقفت بجانب رأسه الكروي الهائل الذي يشبه صخرة بركانية من حيث الشكل واللون, وتوزيع الأخاديد والنتوءات. ابتعدت متحاشياّ أنفاسه الحارقة, إستندت بكامل ثقلي على كتفه الأيمن, لم يلتفت إليّ, ربما لم يحس بوجودي.
أدخلت كفي الأيمن في منخره الأيسر, انتزعت شعرة نافرة أثارت اشمئزازي انتزعتها بعد جهد وكأني انتزع قصبة بردي من ضفاف مستنقع. عطس.. رمتني عطسته إلى نهاية قدميه.. كالأرنب الذي تكتسحه عاصفة مفاجئة, عدت مترنحاّ.. سابحاّ بمخلفات منخريه.. كهفيه. تربعت هذه المرة قرب أذنه اليمنى, جلست في صيوانها, مسحت وجهي بشحمة أذنه.
.. فكرت أن أختار مكاناً أكثر أمناً للجلوس فيه وبدء الحوار. تخيلت أن أفضل مكان آمن هو الجلوس داخل صرته, حيث كان عاري الصدر والبطن.
استطعت بعد جهد أن أصعد إلى بطنه , كانت خطواتي متثاقلة بين طيات بطنه الهائلة, تحسست الندب والحفر الموزعة قرب مركز البطن, حيث مكان الصّرة الطبيعي. لم أعثر على ما يشير إلى أن هناك ما يدل على أنها صرّة, سوى بعض الندب الكبيرة, بعضها ندب جوفاء يخالطها الاحمرار, إذ يبدو أنها كانت حديثة العهد. لاحظت أنه كان يبتسم وأنا أتلمس تلك الندب التي توهمت أن إحداها كانت الصرة التي كنت أبحث عنها.
.. انتبهت, لأول مرة يكلمني.. دون أن يسأل عن هويتي.. عن سبب تطفلي.. عن غايتي.. عن تجاوزي على عالمه, كأنه يعرف كل شيء عني, وعن مسعاي, بل وكأنه على موعد معي, قال لي: لا تشغل فكرك بهذه الندب والحفر يا بني, إنها نتيجة ألاعيب أمك حواء, إن أغلب مداعباتها الدغدغة.. إنها اعتادت أن تدغدغني من بطني, متوهمة أنها نوع من اللهو البرئ, حاولت مراراً منعها عن عادتها, عجزت, وبالتالي ألفت هذه الدغدغة.. ليس بيدي حيلة, أعاملها على قدر عقلها.
.. إنك تبحث عن صرة أبيك, أليس كذلك يا ابني؟.. أجبته: نعم يا أبي. قال لي: لم أكن أعلم أن ذريتي أو بعضها تحمل بعض ملامح الجهل.. أو قد يكون بعض غباء, ألم تعلم إني لست مولوداً من بطن.. لم أتغذى من حبل سري كما هو حالكم .. لم أذق حنان الأم وعطفها ورقتها, وخوفها وأساهاعليّ, ومواساتها لي. إنني بحاجة إلى ابتسامة أم, ودموع فرح منها تتساقط على وجهي لتنقيه.. وتعالج وجومه, وتغسل همومه. كيف هومذاق حليب الأم يا بني؟ أهو مثل مذاق حليب البقر والجمال والضان والماعز؟ أله مذاق شبيه بمذاق حليب الكائنات الولودة الأخرى؟ أعرف فقط أنه مصنوع من شهد دمها, ممزوج بروح روحها من أجل أن تغذي وليدها.. روحها.
.. إني مخلوق يا بني.. إني مصنوع.. إني طيني المادة, أنا طينة يا إبني.. أنتم نطف ! نعم يا سيدي.. يا أبي.. يا آدم, جئتك اليوم, لجأت إليك لأبلغك ماذا عملت نطفتك بنا.. نحن من نطفتك.. نحن ثمرة رعشتك الأولى, ثمن بلائك. لاشك أنك تعلم أن بعض ذريتك يتوزعون في معتقداتهم بين ثلاثة أنبياء.. مختارون.. مرسلون, أولهم كليم الله وصاحب توراته, والثاني روح منه وكلمته وصاحب إنجيله ,وثالثهم خاتمهم.. حبيبه وشفيع أمته وصاحب قرآنه. أولهم بشر بالثاني وأوصى أتباعه بإتباعه. وثانيهم بشر بالثالث وأوصى أتباعه بإتباعه. شرائعهم مصدرها واحد.. هدفها واحد.
اختلفت في بعض رؤاها ومعالجاتها, وقواعدها في إسلوب العبادة ومنهج الأيمان, وطريقة الحوار مع الآخر.
..أولهم.. بدأ حياته بسفك دم الخصم, وفر بجلده تجنباً لعقاب محقق.
.. ثانيهم.. تطبع على المسكنة والمسالمة والحوار بالكلمة. صلب لأنه أراد أن تعلو كلمة الحق.
.. ثالثهم.. خاتمهم , جاء ليتمم مكارم الأخلاق, كلمته الأخيرة في الحوارحد السيف.
.. الحلال والحرام, والصغائر والكبائر متباينة بين أتباعهم. أن ذريتك يا أبي ..خالفت شرائع أنبيائها وما أوحي إليهم , اتبعوا أهواءهم.. إن أتباع موسى وعيسى ومحمد (عليهم السلام) هؤلاء الأنبياء.. الرسل.. المختارون.. المصطفون, الأخوة في الدين, اللذين يضللهم الآن عرش الرحمن.. يفترسون بعضهم, وأتباع الواحد منهم يفترس بعضهم البعض, وتقول المصادر أن هناك (124 مائة وأربعة وعشرون ألف نبي ورسول) قضى بعضهم بين حرق, وصلب, وقتل, وقطع رأس. لهم أديان وأتباع.. وأهداف ورؤى متقاربة يكمل بعضها البعض الآخر. وتجمع المصادرالسماوية والأرضية, أنك أباً لهؤلاء جميعا.. أن البشرية جميعها من صلبك.. سيدي :بعض أتباع الديانات السماوية الثلاث: اليهودية, والمسيحية, والإسلامية حولوا هذه الديانات إلى ممالك دنيوية, يمارسون فيها القتل, وانتهاك الحرمات والسلب والنهب, وإتيان الكبائر, كبيرها وصغيرها. كل منهم يدعي أنه هو الأحق بمملكة الأرض والسماء. أحدهم يكفر الآخر ويلعنه إلى يوم الدين, جعلوا من أنفسهم أوصياء الله على الناس وعلى الدين.
.. أنا يا أبي.. أرفض كل هؤلاء الأتباع أصحاب تلك الأخلاق والبدع والسلوك المشين.. أولئك الدنيويون. إني أتبع بعقيدتي كل ما جاء به أولئك الأنبياء المختارون والمميزون من أفكار ومبادئ إنسانية سامية, تجعل من كل البشر أخوة حتى لو لم تكن أنت أباهم جميعاً… لم تسيل الدماء بين أبنائك الملحدين, وهم من لا نبي لهم ولا رسول, ولا يؤمنون بالبعث ولا بالنشور ولا بيوم الحساب, ولا تشغلهم لحظة المرور على الصراط المستقيم, مثلما سالت بين أولئك الذين يدعون الإيمان ,والذين لديهم أنبياء ومرسلون. لم يمارس الملحدون: الرذيلة والكذب, والنفاق, مثلما يمارسها بعض أتباع الديانات السماوية ..إنهم يتعاملون فيما بينهم بأخلاق الفطرة..لا يكفر أحدهم الآخر.. لا يلعن ربه.. ولا دينه.. ولا إمامه.. ولا يسفه وضوءه ولا صلاته.. ريحوا الدنيا براحتهم إنهم لا يبنون بيوتاً للعبادة (مساجد.. حسينيات.. كنائس.. بيّع) من أجل الديانات والطوائف, حيث تعم لغة السب والشتم.. والتكفير.. وذم الآخر.. ولعن إمامه وقبلته, وتحليل إراقة دمه واستباحة ماله, وانتهاك عرضه. إنهم يشيدون الحدائق.. والمنتزهات.. والملاعب.. ومنتديات الثقافة والعلوم, ليرتادها الجميع, دون السؤال عن دينهم ومذهبهم وميولهم, وأعراقهم. ليس بينهم عمر يُجتث.. ولا علي يؤله.. ولا حسين شفيع.. ولا مسيح ينتظر الصلب. ولا يشغل بالهم مهدي منتظر, ولا مخلص مرتقب من أجل هداية وإنقاذ الأتباع.
.. ماذا تقول يا أبي آدم.. ألا يشغلك كل هذا؟ أهذه الأمور الدنيوية لا تشغل بالكم؟ أهي من صناعتنا.. إنتاجنا.. سفهنا.. طمعنا بدنيانا قبل آخرتنا, وليس للنطفة دخل في كل ما يجري لنا.. ولهذا تتركونا وشأننا, ومصيرنا, وخاتمتنا ما تجره علينا أعمالنا في دنيانا؟ أحقيقة ما يدٌعون عليك يا أبانا !
أن جميع هذه البشرية, ذكورها وإناثها.. أبيضها وأسودها.. عاقلها وسفيهها.. مؤمنها وكافرها.. غنيها وفقيرها.. سعيدها وشقيها.. أحقاً كلهم وأنا منهم.. أبناؤك وأبناء حرمك الحوراء أمنا حواء؟.
.. وأنت في عليائك تنعم بالجنان.. ألا تصلك أخبار هذا الحشد المتلبس بالمادة.. الفاقد للروح.. الذي بذرتموه في أرض كانت طيبة لم تألف الدنس هذا الحشد الفاسد من الأبناء.. الحشد المفتري ..الباغي ..المسكون بالعهر.. الذي ابتكر أساليب جديدة للافتراس لم يألفها حيوان الغاب من قبل.
أهذه حقا ذريتك؟ أم هناك آدم آخر؟ أم هناك آدمون آخرون, بدلاء عنك.. ينتحلون صفتك يزرعون بذراتهم السيئة بين بذراتك الطيبة. إني أتمنى ذلك من أجل تبرئة ساحتك ونقاء بذرتك , لكني أشك لأن الجميع يجمعون على أنك أباً للجميع منذ بدء الخليقة إلى يوم يبعثون.
..أحقاً هذه جميعاً ذريتك؟ أستميحك عذراً سيدي.. أبي. من ألمي عليك وعلى مقامك, يلجئني ألمي وشكي أن أقول: لبئس هذه الذرية.
.. أيها القوي.. العملاق.. أحقاً كان طولك كما هو الآن (ستون ذراعا وعرضك سبعة أذرع)؟ حديث شريف لنبينا.. أبنك محمد (ص). وهو لا ينطق عن الهوى, كما أنه التقاك عند عروجه إلى السماء. كم كنت هائلا في زمانك الأرضي كما أنت الآن في عليائك السماوي وأنت تدك الأرض بقدميك الهائلتين, متأبطاً ذراع حبيبتك حواء تتفيئان الظلال, وتمارسان ما يحلو لكما من اللهو العفيف.. وتتهامسان.. وتخططان لمستقبل البكر القادم قابيل, أول مولود آدمي في الكون, تملأ الأجواء صرخته الأولى.. وتنتبه جميع الكائنات لهذا الصوت , الطارئ .. الغريب.. غير المألوف. تساءلت الملائكة وتهامس الجان, وتهللت الشياطين, وفزعت الحيوانات. قدم المنافس.. قدم الشر الذي ينتظره إبليس من أجل تحقيق التهديد ” وبعزتك وجلالك لأغوينهم جميعاً إلا عبادك المخلصين “. جاء حليف الشيطان الذي سيفسد نظام الكون الأرضي, ويشغل أكوان السماوات بمشاغل الأرض .
لماذا صرخت يا قابيل وأنت تنطلق من ظلمات الرحم الرحيم.. من حبسك.. إلى الفضاء الرحب.. إلى العالم الجديد؟ لماذا لم تبتسم بوجه أبويك.. آدم وحواء.. لتورث البشرية نعمة الابتسام؟.
لماذا صرخت وأورثت صرختك إلى البشرية جمعاء؟. لقد أورثتم النواح ياقابيل, بئس هذا الإرث الذي أورثتموه.
.. كان حجمك الهائل (وكما هو حجمك الآن) يا آدم.. يا أبي.. يا جدي.. يا جد أجداد أجدادي, يرهب كبار الحيوانات ,وأقواها وأشرسها ,كانت كبار الحيتان وأسماك القرش لا تقرب السواحل التي كنت ترتادها أنت وملهمتك حواء. جميع حيوانات البراري وعلى إمتداد السفوح والوديان والغابات التي وطئتها قدماك, كانت تولي مذعورة هاربة.. جافلة منك, لأنها كانت تبدو كالأرانب بالنسبة لك.. وبالنسبة لها كنت جبلاً. كنت أسد الغابات جميعها وملك ملوكها, وسلطان سلاطينها, وعملاق عمالقتها.
.. وإن لم تصلك أخبار سفه ذريتك.. وعهرها.. وبغيها.. ودونيتها ودنيويتها.. وافتراس بعضها للبعض الآخر. ألم تصلك أخبار تقزيمنا ؟ لقد قزمنا الزمن يا أبانا, أطولنا لا يتجاوز طوله الذراعين والنصف, ذريتك أصبحت كالأرانب في عالم الغابات.. الغابات الطبيعية التي تسودها الأسود, والقوي فيها يفترس الضعيف, وغابات صنعتها ذريتك.. غابات على مقاساتها, وحسب أهوائها ورغباتها.. وأطماعها. غابات موحشة تتعالى فيها الصرخات.. تسّيد فيها من توهموا أنفسهم أسوداً, إن ذريتك يأكل قويهم ضعيفهم, إن الغالبية من أبنائك مأكولون إلى يوم يبعثون. أطفالك يجوعون.. يغتصبون وعيونهم شاخصة إلى السماء يتوسلون إلى منقذ.. وشفيع.. ورحيم.
.. لديّ كلام كثير.. يطول.. وقد يطول مقامك الرفيع.. وقد يكون فيه بعض السفه غير المعهود وغير المقصود.. سفه مبعثه الألم الأليم .
.. وأعود وأطلب العذر, وأصارحك القول, هل لا تفخر أن تجد أحد أحفادك المتأخرين يحاورك حوار البحث عن الحقيقة.. لتطمئن نفسه, الجميع يا سيدي يرهبون سبر أغوار الحقيقة, إنهم يألفون ترك الحبل على الغارب .
.. إنك لم تحسن تربية ولديك قابيل وهابيل, وأنت متفرد في عالمك الجديد بعد هبوطك من الجنة. يصعب عليّ أن أقول طردك.. لعصيانك أمر الله, هذا ما قرأناه في قرآننا الكريم.. كتاب الله وكلامه.. موحى إلى ابنك.. نبينا الكريم محمد (ص), وتتناقل الألسن رواية عصيانك وطردك حسب اجتهادات المفسرين والمتفيقهين والمتخيلين. إن معظم تاريخنا منقول يا سيدي, مصادره العنعنة.. عنعنة السلف, والخلف يتغذى من عنعنة السلف.. إنه الخلف المتعنعن.. في عالمك الأرضي, بعد مغادرتك نعيم الجنة وظلالها, مع خليلتك حواء تتبعك مكسورة الجناح, مغرورقة العينين, وأنت تقودها إلى المجهول, متستران بالوزرة المصنوعة من ورق أ شجار الجنة بعد أن انكشفت سوءاتكما, بلا حقائب سمسونايت, ولا جوازات سفر, ولا رصيد في بنك , ولا موبايل, ولا لابتوب, ولا حجز فندق, ولا تخطيط لزواج متعة, وزواج مسيار, وزواج عرفي, وزواج في السر من سكرتيرات حالمات في غفلة من الزوجات المحصنات إن اقتضت الحاجة وتطلبت الظروف. لا خوال, ولا عمام, ولا عشيرة.
.. عالمك الجديد الذي لم يكن فيه بعد أهواء ولا رغبات ولا عنعنات. ولدين فقط والعالم كله بخيراته تحت تصرفهما, وأباهما سبق أن سجد له الملائكة أجمعين, إلا إبليس ” أبى واستكبر” أباً لآلاف الأنبياء فيما بعد, مغفور له معصيته وخطيئته.. معجونة طينته بيد الخالق المصور.. روحه من روح الله ولداه يقتتلان, يسفك الكبير دم أخيه الأصغر, ومن أجل ماذا؟ ومهما كان السبب, أيستوجب القتل؟ سلب الروح التي هي من حق خالقها.
.. من أين جاءتهما هذه الغريزة البشعة, المنكرة.. غريزة القتل؟ وفي هذه العائلة الصغيرة.. والتي هي أساس العائلة الكونية الكبيرة. عائلة متفردة ,عالمها ملك لها لا منافس لها فيه, بدأ ربها بالمعصية والخطيئة وكشف السوءة, وإبناه بدءآ حياتهما بتلويث الأرض البكر بالدم البريء المحرّم.
.. إنك يا سيدي غرست في ذريتك سلوك المعصية والخطيئة, وكشف السوءات المستورة.. وولداك غرسا فيها سلوك التلذذ بسفك الدماء البريئة واستباحة المحرمات. ويحار القاتل بأخيه القتيل, ويعلمه الغراب كيف يواري فعلته الجريمة. أين كنت يا أبا قابيل في تلك اللحظات العصيبة التي كان يواجهها ابنك قابيل؟ ألم يعلمك ربك من الأشياء ما خفي منها على ملائكته.. حتى يأتيه الغراب ليعلمه؟
.. في بلدي يا أبا قابيل أبناؤك لا يدفنون القتيل.. القتيل البريء في بلدي يمزق بإسم أبناءك الأنبياء.. وبإسم الأديان.. وبإسم الأولياء.. وبإسم آل البيت, لا أدري إن وصلتك هذه المعلومة أم لا؟ .. من ليس من أتباعهم, بعرفهم..سفيه .. ومذموم.. وكافر.
.. وأنا أقول لك يا سيدي آدم, إنني لست من هؤلاء الأتباع, وبلغ سيد شباب أهل الجنة.. سيد الشهداء, إنني من أتباعه, ولكن ليس من أولئك الأتباع المدعين أللذين أساؤوا للحسين, شوهوا صورته, شوهوا فكره ورفضه, إنهم يغتالون فكر الحسين, وفكر آل بيت محمد (ص). إن بعضهم أباح سب الصحابة والخلفاء الراشدين ( إخوان إبنك الرسول, وأنسبائه, وسنده, ومعاونيه, ووزرائه, ومستشاريه) ويشهرون بهم, بل وصلت وقاحتهم إلى حد التشهير بزوجات الرسول (أمهات المؤمنين ), إنهم يلطخون صفحة آل البيت الناصعة من كل عيب.
.. إبتعدنا.. يا أبي آدم, في بلدي: القتيل البريء يرمى في الطرقات, في أماكن القمامة.. في مجاري المياه الآسنة.. شواطئ الأنهار.. في مقابرجماعية بعيدة عن الأهل والأصحاب, تلتهم أشلاؤه الغربان, والطيورالجارحة, والقطط والكلاب السائبة.
.. في بلدي يا سيدي, ذريتك جاعت رغم وفرة الخيرات, والقطط والكلاب أتخمت من أشلاء الجياع القتلى.
.. القتيل في بلدي يا أبي , لا اسم له.. يشوهونه.. يلغون اسمه .. يمزقون هويته.. يرمونه أينما يشاءون دون حسيب أو رقيب.. ويطلقون عليه مجهول الهوية.
.. إنك محظوظ يا أبا هابيل, إن قتيلك, دفن, علم الغراب, ابنك قابيل كيف يدفن أخاه القتيل. في بلدي الأخ لا يجرأ أن يطالب بدفن أخيه القتيل, أو أباه أو ابنه. وإن تجرأ وطالب.. يقتل أو يغيب.
.. عفواً يا سيدي يا صاحب الزمان, يا مهدي, يا منتظر, يا حجة , يا حي, ياقائم.,أليست هذه عناوين الأسماء والصفات االتي يتناقلها أتباعك ؟ أحقيقة أنت موجود ولا زلت حياً ترزق؟ ألست أنت القائم المنتظر؟ لم أقصد يغيب كغيبتك, غيبتك ذات هدف سامي, عالٍ, من أجل إنقاذ البشر بعد أن يعم عهرهم, بعد أن يكشفوا كل مستورهم. ولأن أباك آدم يتحاشى الخوض بموضوع كبير كهذا خوفاً من ارتكاب خطأ جديد يترتب عليه مسائلة جديدة, وعقاب لا يحمد عقباه, كما انه استطاب التمتع بلذات الجنة المطلقة, واجتناب المحظور, وان لم يعد هناك محظور ولا محذور بعد فعلته, كبيرته الأولى. ولأن الله سبحانه وتعالى قد أختارك لهذه المهمة. وأطلب من الله العلي القدير أن يعجل بفرجك ( إن كنت حقيقة وليس وهماً), وأن يسهل مهمتك وينصرك على أعدائك, وكل الأدعياء الذين لا أخلاق لهم ولا ضمير.
.. وأرجوا منك أن تنتبه من المقربين إليك.. أن تنتبه من غدرهم.. فلا أمان لهم لأنهم يعلمون أن سيفك سيبدأ عمله في رقابهم, لأنهم أساؤا لبيتكم ولأفكاركم ولمبادئكم السامية .

.. سامحني.. إنني أهذي أحياناً وقد أتجاوز الحدود والخطوط الحمراء بنظرالبعض. لا بسبب السفه بل بسبب الألم الأليم ألذي يعتصرني.
.. اظهر أيها المهدي, كفاك غياب, إن كان بيدك قرار الظهور. أو استأذن ربك بالظهور, فقد تجاوز السيل الزبى, أم انك تنتظر أكثر من هذا البغي والبغاء؟.
.. أخرج يا مهدي فقد مللنا الانتظار.. نحن في شك.. وفي شوق لرؤية الحقيقة.
.. عفواً أبانا.. سيدي آدم (عليك السلام وعلى ذريتك الصالحين من بعدك) أطلب الصفح.. تركتك بالانتظار.. ابتعدت قليلا, تنتابني أحياناً بعض حالات من تشتت الذهن والهذيان.. يدخل بعضها في باب الضرورات تبيح المحظورات.
.. يا سيدي.. يا آدم: ذريتك تعددت مواهبها في جميع مجالات الحياة, وان كان أغلبها مدمراً. إنهم يتسابقون ويتفاخرون في صناعات آلات التدمير والتخريب والموت, وابتكار الأوبئة التي تفتك في البشر والحيوان والنبات, ليس القتل الفردي يا سيدي, بل القتل الجماعي. الأبادة الجماعية, للآلاف للملايين في لحظات. بين فترة وأخرى نشهد قيامة جديدة من صنع أبنائك, قيامة تكتسح الأخضر واليابس, أنها لعنات البشر لأخوانهم البشر. إن البشرية تنتظر قيامة السماء, حيث القصاص العادل , إما إلى الجنة أو إلى النار. في قيامة البشر(الحروب) الكل تكتسحهم النار, لا جنة في قيامة البشر.. هؤلاء هم أولادك, يخاف بعضهم البعض, ويتوعد بعضهم البعض, ويترقب بعضهم البعض. ماذا جرى لنطفتك؟ ألهذا المدى كانت نطفتك شريرة وخبيثة؟ لا أعتقد ذلك يا أبانا, لأن من بين ذريتك, مسالمون.. عفيفون.. طيبون.. خيرون.. مصلحون.
.. إن من بين ذريتك, من كفًّروا كل الأديان, وكل الملل والطوائف, واحتكروا الدين والدنيا وجنة الآخرة لهم, وإنهم غير مشمولين بالمرور على السراط المستقيم.
.. ألم يكن الملائكة, واضحون وصادقون ومحقون؟ ألم يكن تساؤلهم وتخوفهم منك ومن ذريتك مشروعاً وحقيقياً؟ ” أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ” 30 البقرة .
نعم أنت بدأت العصيان وارتكاب الخطيئة, وبدأ أبناؤك الاقتتال, وسفك الدم المحرم.. وها هم ذريتك يفترس بعضهم لحم بعض.. يغتصب بعضهم بعضا. أنا لا أفخر بهذا الانتماء يا أبي, أحس أن انتمائي إلى آدم آخر.. في عالم آخر.. عالم أنقى وأسمى.. عالم سجدت فيه الملائكة إلى آدمهم حتى إبليس قال ” إني من الساجدين “.
.. يا أبا هذه الذرية المهلوسة و ألتي لا يعرف أساسها من رأسها, أرجوك كل ما أريده منك.. رجائي أن تستمع إلى مناجاتي.. إلى تأوهاتي.. إلى تساؤلاتي, لا أريد جواباً عاجلاً الآن, ابق مستريحاً في مضجعك لا تتململ, فقط استمع إليّ, بعد أن أغادرك فكر في الأمر.. تحاور مع من تألفهم من المقربين الذين قد تشغلهم أمورنا, وعسى أن تجدوا حلاً لهذه الذرية المنفلتة.
.. وأعود إلى حديثي, ألم يصلك ما حل ببلدي من كوارث وعار بسبب أعمال ذريتك؟ أهذا هو الناموس الذي وجدت من أجله البشرية؟ أكل هذا من أجل أن يختبر البشر؟ من أجل الفوز بالجنة.. أو إلى جهنم وبئس المصير؟ أهكذا يكون امتحان القادر للضعيف المخذول؟ أهكذا.. ألا دور لك يا أبانا وأنت في عليائك؟ ألا تلتقي وتتشاور مع أولادك وأحفادك من المرسلين والأنبياء والصديقين, لتطلبوا لنا الرحمة والشفاعة من ربكم لهذه العباد المنتهكة الإرادة التي كتبت مصائرها في اللوح المحفوظ, ألا تستعطفون الرحمن الرحيم, مالك الملك, أن يبدل من مصائرنا المحفوظة ؟.
.. أستميحك عذراً.. ألمي, وشكي, يرغماني أن اتهمكم جميعاً بالمشاركة في تعذيب المعذبين فوق عذابهم.
” والله القاهر فوق عباده “.
” ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين ” (251 البقرة)
.. وهل هناك أكبر من هذا الفساد وأعم وأكبر؟.
” ولو شاء الله ما أقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البيّنات, فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد”. (253البقرة).
.. لا اعتراض على حكم الله.. وهو القادر والقدير والمقتدر, وله ما يشاء.. وهو العزيز الحكيم.
” وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو, وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير (17) وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير “(18 الأنعام ).
.. ” قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين” ( 24الأعراف ).
.. لماذا يا إلهي لم تدخل الألفة والحب في نفوس عبادك بدل العداء والبغضاء وأنت القادر وبيدك كل شيء؟ وأنت سبحانك الرحمن الرحيم, وسعت رحمتك كل شيء؟.
. . ” ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب قبل أن نبرأها”. ( الحديد ) .
أي إنها مكتوبة عليكم في اللوح المحفوظ .
.. ” ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً , أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين . ” ( 99 يونس ) .
” لا إكراه في الدين ”
.. ولكن يا أبانا.. أولادك.. ذريتك.. لا ضابط لهم, لا دين يجمعهم, ولا نبي يوحدهم, مشتتون, ضائعون, مختلفون, متقاتلون.
.. ألا تستطيعون.. منع كل ما يحدث من جرائم وانتهاكات وآلام وآثام.. وما تجري من دموع؟ هذه لا علاقة لها بالحساب والكتاب, ولا بالجنة والنار والوقوف على الصراط.
.. قل لي الحقيقة. أهناك حقاً صراط يعبر عليه؟ ما علاقة الأطفال الحفاة.. العراة.. الجياع, أشباح لا تلحظ منهم إلا بصبصات عيونهم الغائرة, ما علاقتهم بالحساب وبالصراط؟ الأطفال اليتامى.. المغتصبون.. الأرامل..الجياع.. المغدورون.. المضحوك عليهم.. المسلوبة إرادتهم.. المجانين.. المرضى.. العرايا, لماذا كل هذه الشرور؟ لماذا كل هذا الظلم؟ لا اعتراض على حكم الله.. وأستغفر الله. ولكن لا أحتمل كل هذا, ولا أصدق أن هذا هو من حكم الله, وهو الغفور الرحيم, الرحمن الرحيم, مالك الملك.
.. وإن كانت كل هذه الآثام والآلام والرذائل, التي ابتليت بها ذريتك بسبب عصيانك ومخالفتك, رغم ندمك وصدور العفو عنك, فأين العدل, وأين القول والالتزام في المبدأ ” ولا تزر وازرة وزر أخرى “.
.. لا تقل لي: لا تغمض عينك عن الصور الجميلة في الكون.. عن الجمال الكوني, هناك أطفال أصحاء.. سعداء, وهناك سادة.. أغنياء.. منعمين, ولديهم ما يشتهون ويسرون, ويلبى لهم ما يطلبون.. خدم.. حريم.. جواري.. وغلمان.. ويأمرون وينهون, ويطاعون. هناك الخير ونقيضه وأحكامه, وهناك الشر ونقيضه وأحكامه. هذه سنة الكون, لا تغمض عينك عن كل هذا.
..أتريدني يا أبي الهائل. أن اصمت.. أن أقتنع.. أن أتعامى؟ أنظر إليّ فقط, دون تعليق.. لا تفتح فمك.. إنه يرعبني. ابتسم أو أقطُبْ جبينك, فسأعرف من كلا الحالتين موافقتك على هذري, أم امتعاضك. انتبه إليّ, أنا هنا غيرت مكاني , جالس هنا على الأصبع الكبير في قدمك اليمنى, لا تظن إني أحد الأرانب التي لجأت للبحث عن ظل بين زغب إصبعك, والإسترخاء بعد عناء يوم طويل في البراري والوديان.
.. ألا تذكر, أما قلت لك إننا قزمنا.. قزمنا الزمن وتعاقب الأجيال.. لم نعد مثلك, سنعود إلى مثل حالتك, وهيّ حالتنا الطبيعية عند دخولنا الجنة, سيعود طولنا مثل طولك, ستين ذراعاً في سبعة أذرع, وبعمر الشباب ثلاث وثلاثون سنة, كلنا جميعا وعلى خلقتك (حديث شريف).. ولكن لا ندري هل ستعطى لنا أسماء جديدة غير أسمائنا الدنيوية؟ بالنسبة لي أرغب أن أحتفظ بإسمي الحالي – هذيان- أم تعطى لنا أرقاماً مدنية, أم هويات خاصة.. حسب ضيعاتنا, ومناطق تواجدنا في دروب الجنة, وحسب درجات إيماننا وتقوانا؟.
لا يهم, هذا ليس موضوعنا, موضوعنا إنني لا أفتح عين وأغمض عين كما تتصور, إني أرى بعينيّ الاثنتين.. أما ترى عيني إنهما مفتوحتان دوما.. ربما أنت لا تراني, ولا تحس بي.. وربما لا يصلك حتى صوتي أكثر من صوت الهمس, ثم إن نظرك يخترق كل ما يقع عليه, إنك تتخطاني, أليس بمقدوركم يا أبي أن تخترقون بنظركم الثياب السبعين التي تلبسها حوراءاتكم لتصلوا إلى نخاع الساق, لا تسألني عن هذا الموضوع , سأجلب لك نسخة من كتابي ” أوراق ربيعية في خريف العمر ” إن كان لديك اهتمام بالمطالعة, لتطلع عليه وستعرف ما هي قصة السبعين ثوبا , وما قصة نخاع الساق, وما هي قصة ضحكة الحوّراء, وكيف فسر بعض أبنائك من رجال الدين السابقين واللاحقين آيات ربك ” إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون “: إنهم يتفكهون.. مشغولون.. بافتضاض العذارى.”. وغيرها الكثير.
.. ابتعدنا.. وذلك بتأثير إسمي الذي تعودت عليه, ولا أريد تغييره حتى في الجنة لو قدر لي وغفرت ذنوبي وفزت بها, والله جل شأنه يغفر الذنوب جميعها إلا الشرك فيه. “هذيان” هذا هو اسمي الذي تآلفت معه وتآلف معي.
.. إني لا أغمض إحدى عيني, إني كلي عيون, إني لست أنانيا .. رفضت أنايَ.. أنها عبء عليّ.. لا أنا لي.. أسألك: لماذا هذا القبح مع الجمال؟ ولماذا هذا الظلم إن كان هناك إمكانية تحقيق العدل؟ ولماذا المرض إن كان بالإمكان توفير الصحة.. ولماذا كل هذه الشرور إن كانت هناك القدرة على إحلال الخير؟
.. فقط أتساءل يا أبي: لأني كائن.. لأن لي كينونة, أأصمت لأن كينونتي مسلوبة منذ لحظة وجودي المفروض, منذ لحظة إدراج اسمي وهويتي وصورتي ومستقبلي في اللوح المحفوظ ؟ كلا إني أرفض.. وسأستمر في التساؤل.. والسؤال يتلو السؤال.
.. انتبه لا تسحقني بقدمك.. سأغادر, ابق أنت في عالمك و حافظ على تفكيرك وقناعتك, سأبقى أنا في عالمي, وسأحافظ على تفكيري. وجدت مرغما.. أعطوني إسمي, وديني, ومذهبي, وعشيرتي, وقوميتي. ولكن لا إرغام على تفكيري,لا تحجيم لهذياني, لاتحديد لعالمي. تفكيري, وحدود عالمي.. ملكي.
.. يا أبانا, يا جد أجداد أجدادي, إن بعض ذريتك مزقت بعضها بمؤسسات دينية دنيوية.. لقتل الآخر وتكفيره, واغتصابه. وبعضها يمارس الموبقات صغيرها وكبيرها.. باسم الله, وبإسم الدين, والمذهب, والآيات, والمنقذ المنتظر, أو المخلص المرتقب.. ما السر في هذا التشظي في الأديان .. وفي الشرائع والرؤى, ذريتك مسحوقة بسبب الأديان.
.. الحب وحده يا سيدي, هو الذي يعلم الجبابرة لين الطباع ورقتها.. ويقودهم إلى ممارسة طقوس الحب الكوني.. الانسلاخ من الأنا.. ذوبان الجزء في الكل.
.. سيدي لو كان دين واحد.. ومذهب واحد, وإمام واحد.. لحلت المشكلة, بل لما كانت هناك مشكلة بالأساس, إنما 124 ألف رسول ونبي, وطوائف, ومذاهب, وشظايا.. بعضها ملغومة يتعذر تنظيفها وتعقيمها, عدا الأئمة والأولياء, والآيات, والمنقذين المنتظرين, والمخلصين.
يا أبانا .. إن البشرية في دنيانا .. مزقتها الأديان .. وأحرقتها السياسة .. ولن يوحدها إلآ الحب .. الحب الذي يقودنا إلى عالم أوسع مدى وأكثر نقاءاً.. عالم لا ترى فيه دمعة أسى في مقلتي إمرأةِ أو على خد طفل .
.. أتعبتك يا سيدي.. بهذا الهراء الذي تجاوزت فيه حدودي.. سامحني لأني أتألم.. بل إني الألم بعينه.
.. سأنسحب يا سيدي.. وأتركك لتغفو, إذ يبدو أنك أسبلت جفونك.. وكأنك تقول لي وداعاً. رفقاً بي, تمهل, لا تسحقني بقدمك, وإلى لقاء إن شفعت لي بلقاء.
دريد السامرائي
دبلوماسي متقاعد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى