أدب وفنمنوعات

الشبكة مباشر تحاور الشاعر والناشط الثقافي السوداني محمد نجيب

#الشبكة_مباشر_بروكسل

الشاعر والكاتب الصحفى والناشط الثقافي الاستاذ السوداني محمد نجيب ضيفا على مجلة الأسرة العربية بأوربا


شارك بالعديد من المهرجانات الثقافية داخل وطنه وخارجه منها العراق والجزائر وقاهرة المعز له إصدارات شعرية منها ضد الاحباط ونداء الاجنحه ودم العاصفة وأعمال ترجمت إلى الإنجليزية
مابين الفطرة والموهبة والقدر وجد له مكاناً مميزاً وقبول أفريقي وعربي إلي تفاصيل الحوار
حوار :أفكار جبريل
عالمنا العربي والافريقي للاسف الشديد يهتم بالمهرجانات أكثر من الثقافة
نحن بالعالم السياسية الغير مثقفة
١/ الحس الإبداعي صدفة أم لعبة قدر؟
من واقع التجربة ليس هنالك خيار في أن تكون مبدعا أو لا تكون. القصيدة تقتنص صاحبها دون سابق إنذار… والشاعر يولد مهيئا لبوادر الغربة وهواجس الجنون.. حين استعيد الماضي أرى أن طفولتي كانت غريبة فى كل شيء.. وكانت الظروف التي عشتها وانا طفل هي أيضا غريبة. قادني كل ذلك دون أنتباه إلى الغوص في عوالم من المتاهة وممارسة الاحتيال على كل لحظة عابرة لأجل ان أعيش ولا أموت . اذكر وانا في العاشرة حاولت العثور على الموت برغبة عميقة ولكنني نجوت لأن شمس النهار التي اعتكفت بسقف البيت كي تنال مني لم تفعل. ربما لم تشغلني الكتابة حينها بقدر ما شغلتني الحياة.. اذكر ان أعماقي كانت مليئة بهواجس كثيرة.. حكايات جدتي عن الشياطين التي تسكن الرماد الساخن. كانت تحذرني من الاقتراب منه ولكنني كنت عنيدا ولا اسمع. كنت أبحث عن ذلك الرماد الساخن من اجل ان ارى الشياطين.. وللأسف الشياطين نفسها لم تقبل بجنوني… وكنت أيضا اسرح كثيرا في حكايات أمي فى الليل وهي تنادي النوم النوم… وقصص سحاحير ناوا التي تخطف الأطفال الذين لاينامون.. ورغم اني كنت لا انام حتى يتعب النوم مني وامي لكن سحاحير ناوا لم تفعل… اشياء كثيرة سورت طفولتي بعنادها وعنادي.. وكانت الحيلة هي من تقودني من يدي لأعبر كل تلك الاسوار. ..
القصيدة بدأت فجأة دون سابق معرفة بأكثر من اناشيد المدرسة.. اذكر اني كنت بارعا في مادة الانشاء.. وكنت احصد التعابير الجميلة من المدرسين.. كنت مغرما بالصور وما ينسجه خيالي كيفما أراد.. ذلك كان أول نافذة لي وكنت أمارس البكاء لو قتل أحدهم نملة أمامي اثور واغضب.. عموما في ظني أن الإنسان المبدع يولد مهيئا لحياة مختلفة.. حياة عميقة وحزينة ولا تخلو من الجنون والمشاكسة. قلت يوما حين سألني استاذي عيسى الحلو عن الشعر… إنه رزق من عند الله خصه للشعراء وليس لغيرهم… فى اعتقادي ان من الشعر ليس رغبة ولا وظيفة يستطيع أي إنسان الحصول عليها.. لانه جنون والجنون لا يختاره الإنسان بمحض ارادته.. والشعراء وحدهم من يستطيعون حمل هذا الجنون والحياة معه…
قصتي في الحياة مع الشعر تقول الكثير ولكن الحوار لن يسمح بكل ما تقوله القصة… لذا اكتفي.
2/ماهي المزاجية التي تكتب بها وبمن تأثرت؟
يعرف الشاعر الانجليزي ت. س. اليوت الشعر بأنه محاولة تحويل الدم الي حبر. وهذا يقود الي أن كتابة الشعر اشبه بعملية الولادة بكل صفاتها رغم ان لا أحد يستطيع أن يحدد فترة الحمل ربما تكون أعواما اوساعات او اقل من ذلك.. ولكن معاناتها جد قاسية. والشعر عادة يخرج كما يريد هو في اللحظة التي يختارها هو… احيانا تقبضني حالة صمت طويلة او حالة من التسكع بدون هدف اوحالة صراخ مكتوم.. وقلق عجيب حين تريد قصيدة ما أن تكتب نفسها وترمي على طقوس ولادتها وآلامها. أعني من قولي هذا ان القصيدة هي من تكتب نفسها بنفسها وتعذبني بحبلها السري حتى تكتمل ولادتها. لذا فأنا لا اختار مزاج كتابة محدد. ولكن تبقى تجربتي هي من تقودها لتسمع صرختها.. وكل ذلك مع معرفة تامة بشروط الكتابة الشعرية.. وابعاد الرؤية التي تنهل منها. الشعر أصبح جزءا من الحياة واليومي لا ينفصل عنه…
تسأليني بمن تأثرت.. لا احسبني تأثرت بشخص محدد ولكني قرأت الكثير والكثير من عصور سابقة وعصور حاضرة.. وأؤمن أنني ابن عصري.. ابن هذه الفوضى التي ترتب هذا العالم.. انا أؤمن بالحداثة وارها سمة هذا العصر وجنونه… احب الكثير من الشعراء وايضا لا احب الكثير من الشعر. احاول ما استطعت ان اضع بصمتي الخاصة رؤيتي والشكل الذي تقوله قصيدتي احيانا أتبع الخليل وأحيانا التفعيلة وأحيانا السرد الشعري..
احبذ الفضاء المفتوح الذي تتزاوج فيه كل الفنون لتكون قصيدة.
القصيدة التي تحتفي بها الذاكرة كتبت عام ١٩٨٠ حين كنت طالبا بجامعة القاهرة. وهي القصيدة الوحيدة التي احفظها عنوانها

عن الزا وذاكرة المدينة

وقالت: اغتسلتُ منكَ هل ترى?
– كذبتِ لا أرى,

سوى, رذاذ عطرك الصبيِّ, هاج; ماج,
أوقد الكلام نجمة, تضيء لي مشارفَ الغناءِ

دمعة, تؤمني, تضمني, تشيلني من
المفاوزِ القتيلةِ الدعاءِ, يا مقامَ صبوتي,:

أنا الذي توضأت عيون قلبي الجريحِ, في أذانِ حلمكِ, المكابرِ,
المغامرِ,
المهاجرِ,

ارتضيت أن أموت, فيك منك,
في هواكِ, في ثراكِ,
فيكِ منكِ,
في صباكِ, في هواكِ,

فيكِ منكِ,
في الذي أقام بين عزتي
وبين نطفة القصائد المجاهدة.

يا صرخة تفجرت بأوّلي وآخِري, هل الرؤى, تجيء, هل, وهل,
وهل, وكيف لي إذا هفا, غفى زمانُ وجدك المقيم,

واحترقْتُ بين مدخل القبول والمعانده.

أراك تنفضين عنك, منك, ما أقام بين
صوتك الذي, يفيض في مفازة الهوى,
ولا هوى,
ولا غوى,
ولا, ولا, ولا,

تزمَّلت عيوني التي دعوتها, لكي تكف عن
ندائها, وعن هجائها,
وعن وعن وعن…
أما ترين كيف ناح بي دمي, وكيف صاح بي فمي,

وكيف, كيف, كيف, يا
حبيبتي, تهزني مقاطع الغناءِ, فجأة تثور يا حبيبتي, وفجأة تجور

يا…
حبيبتي, وفجأة أعود واحداً, كما أتيت
واحداً, وواحداً أسير في صراط خيبتي
إلى مداخل المحن.
أجن قبل أن أجن…
فهل أتاك أن نشوة الحضور,
تستحم في مراكض الغياب, في تلهفي,
تخوفي, تمزقي, أمام وجهك الذي,
يفر, لا أكر,

ألتقيك مثلما, كأنما, تزلزلت خيولُ هذه

المدينة التي, تبيع سر صبوتي,

لعابر الطريق والصديق,

والذين يسقطون في أزقة الشجن

أعود من رحيلك القديم, أستشفُّ

ما يجيءُ,

ما يضيء,

ما رميتُ,

ما هويتُ,

ما, وما, وما,

وثقت في عروق نبضي التي تهشمتْ,

تكسرتْ, تخثرتْ هنا, وما هنا,

سوى نزيف ليلتي,

التي,

تضم, في إهاب حلمها,

القتيل جثة بلا كفن

أقول يا شجيرة تفتحت بباب عرسي الجميلِ,

هل خطاك ترتجي مذلة العيون, أم

محارق الجنون,

أم, وأم, وأم,

وقفت صحت: لا, سمعت صوتك الذي

أعادني إلى مواقف البكاء غائباً, وخائباً,

ألوذ في مضارب الغناءِ,

في المدينة التي تبيعني وتشتري

قصائدي بلا ثمن

فليتني, وليت لي,

وليت إن رأيت,

وجهك الذي يخبّ في تواصلي,

فواصلي,

جهلت فيكِ نطفة الغناءِ,

كيف لي؟.

ولي, ولي, ولي,

يعود لي تماسكي, وأحتمي,

وأرتمي, بحضنك النقيِّ,

لا,

أعود

إن

توجعت,

خطاي,

لا,

ولا,

ولن,
—————

أما السؤال عن الجديد فآخر ما كتبت قصيدة بعنوان

كل شيء

غَيَّرتْ كُلَّ شيء:
شكلُ ضحكتِها… وقعُ خطوتِها..
لونُ قهوتِها..
عطرُها.
شعرُها..
نظراتُ العيونْ.
وفُنُونُ الجُنُونْ.
غَيَّرتْ كُلَّ شيءْ
حتٍّى أنا غَيَّرتنيْ.
وما عادَ شيءٌ كما كانَ..
ما عادَ شيءٌ كما كانَ مفترَضاً
أن يكونْ.

الذِّكرياتُ الَّتي بينَنَا،
لم تَعدْ ذكرياتْ.
والأِغنياتُ الَّتي عَلمتْنَا الغناءَ،
لم تعدْ أغنياتْ.
ولا الأمنياتْ،
ولا الرَّعَشاتْ،
ولا ال…
كلُّ شيءٍ
تَغيَّرَ.. ماتْ.

لم يَبقَ غيرُ مَحبَّتِها للقططْ.
وغيرُ السِّياحةِ في شاطيءِ البحرِ أيضاً فقطْ
والتفكُّرِ فيما سيأتيْ وليس الَّذي قد مَضى
الَّذي قد مضى.. اِنقضى.
وأنا قد مَضيتُ
مَضيتْ..
صرتُ أنظرَها بين حينٍ وحينْ.
أغوصُ بأمواجِها الهائجاتِ
وقلبي حزينْ.
كنتُ أسألُ عن زورقٍ
كانَ يحملُنا
لضفافِ الحنينْ.
لم أجدْهُ..اخْتفى
في خضمِّ الضَّبابْ..
غابْ.
غيَّرتْ كلَّ شيءْ:
الصَّباحُ الَّذي كان ممتلئاً بالصَّباحْ.
المساءُ الَّذي كانَ يزرعُ أحلامَنا في المنامْ
حين كنتُ أراهنُ عصفَ الرِّياحْ.
وكنتُ أغازلُ نبضَ الكلامْ.
الكلامِ الكلامْ.
فجأةً غيَّرتْ كلَّ شيءْ
كلَّ شيءٍ
حتَّى أنا غَيَّرتنيْ

وقريبا سيصدر ديواني الفائز بجائزة الطيب صالح العالمية في محور الشعر في الدورة الأخيرة وهو بعنوان أناشيد الأسئلة.
٤/ كيف تقيم مساحة اهتمام الجهات المختصة بالثقافة في العالم العربي؟
عالمنا العربي للأسف الشديد يهتم بالمهرجانات اكثر من الثقافة.. وما ذلك الا لأننا نحيا في عصر السياسة غير المثقفة.. و يوما قال نابليون بونابرت كلما اسمع كلمة ثقافة اتحسس مسدسي… وكان الرجل صادقا فيما قال. . فالسياسة لا تخشى من شيء بقدر ما تخاف الثقافة لأنها الوعي الذي يكشف كل غبائها وما تفعله من دمار وحروب وخراب.. الخ…
الثقافة تعتبر في كل الدول غير الديمقراطية العدو الأول للسياسة… فهل تنتظرين اهتماما بها في عالمنا هذا… لا أعتقد بل أجزم.. الان الثقافة فى اغلب دولنا يحميها الحراك الأهلي والشعبي هنا وهناك… أما المسئولين عن الثقافة فهم موظفون لخدمة سياسة الدولة وليس ثقافتها… علما بأن دولنا لن تقوم لها قائمة ولن ينصلح حالها ولن تستشرق المستقبل وحضارته دون الثقافة… دون الثقافة لا شيء.
٦/ حدثنا عن الإبداع فى زمن الكرونا ؟
الثقافة هي المنبع الذي تخرج منه الثورات هي الوعي الذى يقود كل حراك… والحرية هي مطلب الثورات الأول والذي ترتوي منه كل ثقافة وكل إبداع.
دون شك الثورات تساهم في كل فعل ثقافي.. لان الثقافة تشرب من فضاء الحرية وتنمو وتتشكل رؤاها ومداها لتساهم في البناء والتنمية وتحقيق السلام والأمن
و الثورات لا يكون اكتمالها ولا تحقيق أهدافها بغير الثقافة.. هي مجداف السفينة التي تتحدى عمق الأمواج وتصارع الظلمة والجهل. وبعد كل ثورة هنالك إبداع جديد قادم يؤسس لمستقبل إنساني مشرق ومضيء.
وكل ثورة لها ادبها وثقافتها التي تحتمي باحضانها… الثورة يا سيدتي هي ابنة الثقافة وامها أيضا.
حين سأل واسيني الأعرج احد أصدقائه الفنانين كيف تواجه الوباء القاتل أجابه بالفن. الفن والابداع هو السلاح الذي يواجه به المبدعون هذا الوباء القاتل والذي فرض على الجميع العزلة لذا فكل فنان ومبدع يكتبون عن ما يمكن أن يخرجهم من دائرة الموت والغربة. وفي ظني أن العزلة وعاء عام للإبداع كما يقول الناقد والشاعر المغربي إدريس زايدي إذ انه يرى ان العزلة عنصر ملازم للاديب. فالمبدع يحاول ترتيب الفوضى من خلال هذه العزلة كما ترى الكاتبة السورية سوزان ابراهيم.
دون شك أن وباء الكرونا داء فتاك لكنه لم يستطع ان يحجب الإبداع والكتابة بل كانت الكتابة هي راية المقاومة التي يرفعها الأديب. ولو تأملنا في الخارطة الإبداعية سنجد الكثير من الأعمال الفنية والابداعية التي صدرت وكتبت فى فترة هذا الوباء. ولقد ساهمت أجهزة الحاسوب في بناء فضاء إبداعي دولي ساهم بطريقة ما في التنوير والثقافة. ورغم ذلك يبقى العالم مخيفا في ظل هذا الداء الذي حصد الكثير من المبدعين في انحاء العالم. والحياة لاتتوقف مسيرتها.
٧/ هل يساهم المقهى الإلكتروني في عودة الامسيات الفنية أم غيابها؟
في اعتقادي ان المقهى الإلكتروني فرضته الظروف الحالية لداء الكرونا عملا بنصيحة الصحة العالمية ودعوتها للتباعد. وهو حيلة ثقافية للاقتراب. احسبه يقدم بعض التواصل وللان لايزال جمهوره من الصفوة.. ويمكن ان تحسب بالأرقام عدد من يتابعون ولكنه من جهة أخرى يوثق للراهن الثقافي والابداعي. أما الامسيات الفنية والابداعية فهي لا تزال غائبة بحجمها الطبيعي وجمهورها. ومسألة المقهى الإلكتروني يحتاج أيضا لجانب في الاقتصاد. واظن ان الوضع في أغلب بلداننا لا يسمح بذلك.
ورغم كل ذلك يبقى هو النافذة الموجودة الان للحراك الثقافي والتواصل… فى حدود الممكن والمتاح. وهو مرحلة مؤقته سيتغير حالها بزوال مسبباتها.
اتيحت لي بعض السوانح للمشاركة في فعاليات ثقافية بعدد من المدن العربية قبل جائحة كرونا والمشاركات ما بعدها جاءت بالفضاء الإلكتروني في ندوات ثقافية مختلفة وفي اعتقادي ان الإبداع والثقافة أينما تكون هي نتاج إنساني عام لا تقيده جغرافيا ولا تحده حدود. والابداع والثقافة اصبحا صناعة لابد من توفر شروطهم.. والدول الحضارية المتقدمة تعرف كيف تروج لأعمال مبدعيها ومثقفيها ونحن للأسف يعوذنا ذلك.. ولنا مبدعين كبار لم نروج لهم داخليا بالقدر الكافي دعك من الترويج في العالم. ومثال لذلك ابراهيم إسحق. عيسى الحلو.. محمد المهدي مجذوب الخ… المبدع في بلادنا يعيش مجهولا ويموت مجهولا. ولكن حتما سيأتي المستقبل الذي يكشف كل ذلك. وما نلاحطه أيضا ان المبدعين السودانيين خارج الوطن تمكنوا من ايجاد فضاءات لابداعهم ليلى ابوالعلا.. بركة ساكن.. بشرى الفاضل.. عماد البليك أمير تاج السر .. طارق الطيب ويوما قال الطيب صالح في حوار صحفي لو أنني بقيت بالسودان لانتهي بي الأمر كاتب عمود في صحيفة… فى بلادنا ياسيدتي ترتكب حماقات في حق الأدب والأدباء.. والسودان مليء بكنوز لا تحصى.
٩/ هناك من يرى ان الوضع العام يعاني من فترة مراهقة فنية ما هو رأيك؟
اعتقد ان الموهبة وحدها لا تخلق فنانا إذ لابد من معرفة.. والفن كما قلت لك سابقا صناعة وكل صناعة لابد أن تكتمل ادواتها حتى تكتمل هي.. و المراهقة هي فترة لم يكتمل فيها النضوج بعد ما تزال قاصر لم تبلغ الحلم… غافل من يظن ان الدخول إلى عالم الفنون سهل اومجرد نزوة.. ليس هو رغبة تختارها وليس هو صدفة.. إنما هو رؤية عميقة تشي بسر الذات ومكنوناتها.. هو الخروج من فوضى الأشياء الي ترتيبها.. فى هذا العصر هنالك من يستسهلون امر الفنون وماذلك الا لقصور في الوعي… ضباب في الذاكرة.. وغربة عن الوجدان.. لا انكر ان هنالك مراهقة فنية ولكنها تخص الغاوين من يتعلقون في حبال هشة للوصول إلى الشط الاخر بسلام وذلك لن يكون.. العالم الان مليء بفوضي قاسية.. وضياع وموت… وهذا ما يقود للمراهقة.. باسم الفن والفن بريء منها.. الفن ياسيدتي هو انصهار الروح في الروح.. عذابات لافكاك منها وفرح له اعشاش طيور في قمة الجبل.. ااظنك تفهمين ما أعني.. ليس للمبدع في بلادنا قيمة فى هذا الجوع الداوي.
١٠/ هناك اتهام لكم ان سبب هزالة الكلمات عند الشباب عدم احتواءكم لهم؟
انا من الذين يؤمنون دائما بأن القادمين هم أجمل منا.. ودائما من الذين يحاولون الوقوف لجانبهم. لكن ياعزيزتي الموهبة وحدها لا تكفى.. هم لا يقرأون. يريدون السهل. وللآن لا يعلمون ان الكتابة ليست بالشيء السهل. بغير قراءة ومعرفة وتطوير ادواتهم ومعرفة بخارطة العالم الثقافية لن يقدموا شيئا. الكتابة ليست هتاف.. هي تقنية وحضارة. واول ما يعيب هؤلاء الشباب عدم معرفتهم الشافية للغة. واللغة مائدة الإبداع الهائلة.
ونرى أيضا ان غياب النقد وعدم تقبل الشباب للقليل الموجود منه يضر كثيرا.. هم يبحثون عن النجومية والنجومية ليست سوى إطار الصورة ليست الصورة نفسها. ورغم كل ذلك هنالك أصوات مثابرة ومجتهدة وتستطيع ان تقدم الكثير فقط لو وجدوا الرعاية الكافية في هذا الزمن الفوضى. والمليء بالفواجع. وأعود واقول بغير القراءة لن يولد جيل كفء يستطيع أن يحمل الراية الإبداعية. القراءة اولا وثانيا وثالثا ثم القراءة رابعا.
١١/ لماذا اغلب اهل الإبداع والثقافة يعيشون حياة بسيطة او يكونوا أبناء نظام؟
يوما قال الشاعر التجاني سعيد لو وجدت شاعرا سعيدا فأعلم انه ليس بشاعر. ويوما كتبت في الورقة الأولى من ديواني دم العاصفة احذروا الشعر فإنه لايورث الا الفقر.. الكتابة ليست مهنة في زماننا رغم أنها صناعة.. وهي خلاصة عجين الروح. العذاب الذي لا ينتهي. والمبدعون فى اعتقادي مختلفون. فى احساسيسهم وتجاربهم ورؤيتهم. وهم دائما يحلمون ويعملون لتغيير العالم للاجمل لذا يعيشون ويمشون على رؤوس الدبابيس لذا تكون حياتهم بسيطة ولذا يكون الفقر لونهم. هم ليسوا تجارا ولن يكونوا.. تحفهم الحكمة والمحبة للناس والسعي من أجلهم. هم ليسوا اهل الدنيا.. إنما من يحملون أحزانها وجراحاتها ويعملون من إضاءة الطريق ورصفه.. هم فلاسفة العصر اما انهم أبناء نظام. هؤلاء ليسوا المبدعين هؤلاء هم الغاوون. فقراء الموهبة والمعرفة من ضل بهم الطريق ولم يكتب الله لهم الهداية. وكل نظام دائما يحتمي بفقراء الإبداع بالضالين ليحمي نفسه وأنى له ذلك.
١٢/ رسالة لمن توجهها؟
اقول ما قاله يوما حمزه الملك طمبل ايها الشعراء اصدقوا وكفى.
١٣/ بدون مجاملة ما رأيك في الحوار؟
حتما نجحت بأن تأخذيني لكل هذه الأودية والجبال الشاهقة.. و ماذكرته هو مفاتيح للراهن الثقافي وتجلياته في ظني. اتمنى ان تكون اجاباتي قد نالت بعض الرضا منك.. كل امنياتي لك افكار واسمك المضيء بالابداع والجمال والمعرفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى