أدب وفنمقالات

نحو ثقافة تخلق التغيير_أ.د.قاسم حسين صالح

#الشبكة_مباشر_سليمانية العراق

طاب يومكم ايها الحضور الكريم،وتحية لحضراتكم معطرة بحب العراق.
لندخل دون مقدمات فنقول ان العراق يعيش الآن صراعا بين ثقافتين:ثقافة دفاع عن بقاء الحال على حاله،وثقافة تغيير تنقل الوطن والمواطن الى حال افضل..وتساؤل للحوار عن دور المثقفين العراقيين من مهمة وطنية تكون فيها العملية السياسية بين طريقين..اما البقاء على سكة سارت عليها 18 عاما وتبقى المحاصصة والفقر والسير نحو المجهول، واما تحويلها لسكة التغيير واحياء الشعور بالانتماء لوطن ينعم فيه اهله بالأمان والكرامة الأنسانية.

وحقيقة يغفلها كثيرون،ان الثقافة كانت في العراق أحد أهم أسباب العنف،آخرها وأعنفها ما جرى بين عامي (2006-2008) الذي اصطلح على تسميته حربا طائفية فيما المفهوم العلمي انها كانت حرب معتقدات..والمعتقدات أفكار..والأفكار ثقافة. ولأننا نختلف في ثقافتنا،ولأنها تكون السبب فيما ذكرنا، فلهذا ضمنت الأمم المتحدة في اعلانها الخاص بحقوق الانسان الصادر عام( 1984) الحق لكل شخص في ان يسهم بحرية في الحياة الثقافية ويستفيد من العلوم ويستمتع بالفنون،ويحترم ثقافة الآخر.

وعراقيا، نشير الى اشكاليتين سيكولوجية،الأولى..ان الصورة التي يحملها المثقف عن السلطة انها (عدوة) له،والصورة التي تحملها السلطة عن المثقف الملتزم بقول الحقيقة انه (عدو) لها.والثانية، ان السلطة اعتادت ان تقوم بدور المتحدث،وعودت الناس على دور المنصت،فيما المثقف يعدّ نفسه الاكفأ بالتحدث والاصدق..فتخشاه لأنه اقرب منها نفسيا للناس..وثالثة ،ان الحاكم العراقي اعتاد على أن يحيط نفسه بمستشارين يقولون له ما يحب ان يسمعه.

نضيف لها اشكاليتين يعيشهما المثقف العراقي،الأولى شعوره بالتهميش الذي سبب له فقدان المعنى من وجوده في الحياة..وتساؤل اغترابي قاس: أنا منو؟!.والثانية ، قناعته بان المجتمع قد وصل الى حالة (بعد ما تصيرله جاره).

أيها الأحبة

منذ العام 2003 واجه المثقفون العراقيون ثقافة دينية طائفية عشائرية مدججة بالسلاح والمال فتوزعوا بين من غادر الوطن،ومن انساق وراء مغريات السلطة،وبين من وجد ان ثقافة المّلا والعرّاف والدجل والجهل قد شاعت واعتبرت المثقف الحقيقي كافرا او زنديقا فاعتكف، وبين قلّة ظلت ماسكة بالقلم بشجاعة محارب.

وفي متابعتنا لحال الثقافة والمثقفين وجدنا ان اغلبها تشيع الاحباط ،ففي استطلاع اجريناه في العام 2017 وصف المثقفون العراقيين بأنهم:( شعب سلبي، رافض لكل فعل باتجاه خلاصه،تغيير الحال بالعراق..حلم ابليس بالجنة، ماذا تسمي شعبا يعيد انتخاب من افرغ ميزانية الدولة وصرفها على اسرته واقربائه،واشترى الفلل في عواصم الدنيا وترك شعبه جائعا؟،وماذا تقول لمثقفين هرولوا الى من فشل في ادارة الحكم وباع ثلث العراق ليجمّلوا صورته فيعود حاكما من جديد؟)

وفي العام 2018عاش العراقيون اهم حدث هو الانتخابات فاجرينا استطلاعا ايضا شمل مثقفين توزعوا على ثلاثة اصناف:الاول يائس تماما بقولهم:(التاريخ القريب والبعيد يؤكد..نفس الطاس ونفس الحمام)،وان (الشعب مغيب وعيه،مخدّر،مسّير،مغفّل،جاهل).والثاني قال ان قانون الانتخابات (فصلته الاحزاب الدينية على مقاساتها)،وأن القوائم الجديدة والمرشحين النزيهين عليها أن(تمسح ايدها بالحايط).

وحصل ما فاجأ المثقفين بما لا يخطر على بال اذكاهم، يوم شهد العراق في الفاتح من تشرين الأول/اكتوبر 2019 تظاهرات لخمسة ايام هزّت محافظات الوسط والجنوب،تبعتها في الخامس والعشرين تظاهرات اضخم اظطرت الحكومة الى استخدام العنف المفرط بما فيه الرصاص الحي والمطاطي والغاز القاتل..تصاعدت في جمعتي الفاتح من تشرين الثاني /نوفمبر والثامن منه الى حرب جسور وشوارع في بغداد،..ووصلت في خميس الدم ( 28 تشرين ثاني2019) الى استشهاد(32) شابا في الناصرية فقط..في مشاهد وكأن الذي يجري هو حرب ضد غزاة وليس تظاهرات قام بها شباب دفعهم الفقر والحرمان والشعور بالاغتراب وعدم وجود معنى من حياة استلبتها منهم احزاب استفردت بالسلطة والثروة لستة عشر عاما،فانفجروا كما البركان رافعين شعار (نازل آخذ حقي) و (نريد وطن).

وعادت ثقافة التيئيس بعد انتكاسة انتفاضة تشرين/اكتوبر،وسادت ثقافة الأغتيال والأختطاف ،واصيب المواطن بخيبة عجز الدولة عن تأمين حق التعبير الذي كفله الدستور. ودليل ذلك ان توفيق التميمي الكاتب والصحفي بجريدة (الصباح) ،وزميله الناشر مازن لطيف،اختطفا قبل اكثر من سنة، فقدمنا مذكرة في (9 ايار 2020) الى دولة رئيس الوزراء السيد مصطفى الكاظمي حملت تواقيع (243) شخصية وطنية،جاء فيها:

(ان قدرات جهاز المخابرات ومهارتك بالعثور على متظاهرات ومتظاهرين اختطفوا من قبل قوات مسلحة غير نظامية واطلاق سراحهم ، تجعلنا نتوسم بشخصكم الكريم العثور عليهما واعادتهما الى اسرهم المنكوبة وجمهور واسع من المثقفين).وعلى اثرها،التقى السيد الكاظمي بعائلة توفيق التميمي ووعدها باطلاق سراحه..وللأسف فانه ما يزال مغيبا هو وكثير من المثقفين..وتلك احدى اهم مخمات مؤتمركم الموقر هذا..في المطالبة بتحرير المثقفين المختطفين والمغيبين.

لقد بدأنا القول بان العراقيين يعيشون الآن صراعا بين ثقافتين قبيل انتخابات 10 تشرين 2021 :ثقافة دفاع عن بقاء الحال على حاله وثقافة تغيير تنقل المواطن والوطن الى حال افضل. والتحليل الدقيق يفيد ان في كل جبهة من هاتين الجبهتين..مجاميع تلتقي في النوايا وتختلف في الوسائل.ففي (ثقافة الدفاع) هناك احزاب السلطة التي تمتلك المال في شراء الذمم والقدرة على تزوير نتائج الآنتخابات،وهناك الفصائل المسلحة التي تمتلك السلاح الذي يشيع الخوف بين الناس. وفي (ثقافة التغيير) هناك مجموعتان احداهما ستشارك في الانتخابات ولديها اليقين في حصول تغيير،والثانية اعلنت مقاطعة الانتخابات ولديها اليقين في عدم حصول التغيير. وهنا نشير الى حقيقتين نعيشها الآن قبيل الأنتخابات،الأولى:ان ثقافة الخوف من الشعب هي التي توحّد احزاب السلطة، فيما قوى التغيير تفرقها ثقافة الأنانية.

الأخوات والأخوة.

ان عقد هذا المؤتمر في المحنة التي يعيشها العراقيون الآن،دليل على صحة مقولتنا بأن المثقفين هم أنبياء هذا الزمان الذين يبشرون الناس بالخلاص والعيش بكرامة في وطن يمتلك كل المقومات لأن يعيش أهله برفاهية.

شكرا لحضوركم وتحملكم متاعب السفر ومخاطر كوفيد اللعين. شكر لمركز كلاويز الثقافي المشهود له بدور رائد في اشاعة الثقافتين العربية والكردية ،آخرها احتفالية رائعة عن مظفر النواب،كانت بتعاون عربي ايضا جسّده بتميز الكاتب والأعلامي حسن عبد الحميد.

ختاما.
يوجد بيننا عمارتلي مصاب بجنون اوعشق الثقافة ،من علاماته انه باع سيارته من اجل عقد مؤتمرات ثقافية سابقة..وليت هذا العشق يصيب المعنيين بالثقافة في الدولة كما اصاب الأديب محمد رشيد..فأجمل أنواع العشق أن يصاب به المثقفون..بعد عشق الوطن والحبيبة طبعا!.
شكرا ..مع خالص محبتي
• في افتتاحية مؤتمر القمة الثقافي العربي الثاني
السليمانية – فندق كراند ملينيوم
السبت 3 أيلول 2021

*

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى