أدب وفن

قصة قصيرة جداً … زهايمر

#الشبكة_مباشر_إستكهولم _بقلم: د.سناء الخزرجي

وجدت نفسها فجأة في مكان غريب أشبه ببيتٍ قديم للمسنين، تجلس على كرسي وثير وبين يديها الباردتين يستقّر كتاب. كانت تبدو في الستين من عمرها أنيقة المظهر ناعمة الملامح وكأن أحداً

ما يعتني بها جيداً، فهي لا تتذكّر شيئاً. أما المكان فيبدو هادئاً ولا يصدر ضوضاء مُزعجة عدا أصوات الخريف، وهفيف الأوراق الملوَّنة المتساقطة من أشجارها وجلاً من قسوة شتاء قادم.

نظرت أمامها فوجدت الأبواب عالية ومقفلة بشكل متقن ومقصود، كأنها بوّابات سجن قديم. ثم فتحت الكتاب وتصفحت أوراقه، لم تقرأ اسم المؤلف بل تجاوزته مسرعة وهي تقلّب الصفحات فوقعت

عيناها على سطور حكاية تروي في ثناياها قصة قديمة. سارت عيناها ببطء شديد لتمضغ الكلمات على مهل ورويّة، تلك السطور التي بَدَت أحداثها مألوفة لديها مع إن ذاكرتها الآن تائهة لا تفقه

شيئا.
انقضت نصف ساعة، ولا زالت تقرأ هذه السطور……….

طفلتي؟! يوماً ما …. ستقتلك هذه الصغيرة!!!!

نظرت أمل باستغراب كبير لعيني العرافة ولم تستوعب كلماتها المنبعثة، كأنها حكاية رعب طالما سمعتها من جدّتها في ليالي الشتاء الباردة بينما تصغي إليها باهتمام فاغرة فمها وكأنها حقيقة.

عادت من مدرستها تحمل حقيبتها الصغيرة، سعيدة لأن أمها رُزِقت بمولودٍ جديد. وأصبحت أمل تفكّر، تُرى ماذا سيكون اسمه؟! متى ستراه، وكيف سيبدو؟! ربما في إجازة الصيف القادم ترى المولود

الصغير الذي لا تزال تجهل نوعه. فقد كانت في مكان بعيد ويصعب عليها الانتقال منه أو السفر لترى أمها وأشقائها الصغار……………………………

استمرت المرأة في تصفّح هذه القصّة والتي أصبحت مشدودة إليها أكثر فأكثر………

عادت أمل من عملها وقد أصبحت امرأة في الثلاثين من عمرها، ولها بيت جميل وحياة جديدة اعتقدت انها حقيقية وسعيدة. دخلت بيتها بهدوء فوجدت في غرفة نومها كابوس لن تنساه في

أمسياتها القادمة، سيتسلّل إلى ذاكرتها ليغزوها في عنف لن تتحّرر منه أبداً، أشباح تتعانق في سريرها. واقع كأنه الخيال وربما خيالاً كأنه الواقع، وهذا ما تنبّأت به العرّافة فقد قتلتها تلك الصغيرة

التي كبرت ونسيت انها يوماً ما كانت صغيرة. قتلتها بدم بارد فأزهقت روح أمل في لحظة سريعة ومريرة، بينما بقي جسدها كما هو لا خدش فيه ولكن بلا روح أيضا.

فجأة توقفت المرأة عن القراءة وكأن شيء وخز قلبها، بينما تنظر إلى فتاة شابّة قادمة نحوها لتربت على كتفها برقة ووداعة.

سألتها المرأة….

– هل تعرفيني؟

– أمي هل لازلت تقرأين هذا الكتاب؟

– من أعطانيه؟

– أنه كتابك يأمي وأنت من ألّفه!!!!

انهمرت دمعة دافئة فوق خدّها العجوز الذي لوّنته خطوط كثيرة تُخفي بين طيّاتها ذكريات وأسرار عرِفها البعض وجهلها آخرون، فقد كانت تلك الحكاية تحكي قصتها القديمة والتي لم تنسها في

الماضي ولا يزال القلب –كما يبدو- مُثقلاً بها أينما رحلت.

ثم ذهبت مع ابنتها لترتاح في غرفتها قليلا……..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى