أدب وفن

قصصا مضامينها تحتوي مفاهيم اجتماعية في (موت الاسم) القاص هيثم محسن الجاسم يقدم بغداد – حمدي العطار

الشبكة مباشر

      قصصا مضامينها تحتوي مفاهيم اجتماعية في (موت الاسم) القاص هيثم محسن الجاسم يقدم

      بغداد – حمدي العطار
      تسيطر – احيانا- على القاص تجربته الذاتية لتكون هي محور قصصه ، وبذلك تعبر تلك القصص عن مواقف حياتية تحتاج الى الوصف السردي والبناء الدرامي، وهذه الذاتية في البناء القصصي بمقدورها ان تخلق قاصا متميزا اذا سمع نصيحة تشيخوف حينما يقول (من لا يريد شيئا وليست له آمال ولا مخاوف لا يستطع أن يصبح قاصا) وهذا يعني يستوجب ان تكون حياة القاص من هذا النوع غنية بالاحداث والمواقف والافكار والشخصيات الغريبة (شخصيات قصصية ) فنيا لتكون قصته ناجحة.
      القاص “هيثم محسن الجاسم” تمتد تجربته القصصية الى جيل الثمانينيات ، وهذا الجيل كانت الحرب والصعوبات الاقتصادية والحصار تسيطر على مصادر ابداعاتهم وحتى وهم يكتبون قصصا بعد 30 سنة! وهذا يحتاج الى ذاكرة تبحث عن الجذور للشخصيات واسباب المعاناة لأستنطاق الماضي بلسان الحاضر.
      مجموعته (موت الاسم) من منشورات مداد سنة الاصدار 2021 الطبعة الثانية والتي تقع في 136 صفحة وتضم 31 قصة قصيرة يرجع تاريخ معظم القصص بأنها كتبت عام 2002 اي قبل سقوط النظام الدكتاتوري، لذا نجد لجوء القاص الى استخدام الرموز واعطاء معادلا موضوعيا للحياة ، لتكون القصة فيها بعدين ، بعد واقعي وبعد رمزي على المتلقي ان يكتشفه لأن القصة تخفي خلفها (دلالات فنية).
      تعالج المجموعة مضامين ذات اهداف اجتماعية، قد تكون اسبابها سياسية او اقتصادية او هي جزء من المشاكل الاجتماعية التي لا تجد لها حلول فردية ! وهي قصص واقعية فيها قسوة تجعل المتلقي يتأمل لأدراك حقيقة الأشياء ، وتبقى المعضلة في القدرة على الصياغة الفنية لتلك الحكايات لتتحول من تجارب ذاتية الى تجربة ورؤية إنسانية ! فهل توفق القاص في ذلك؟
      صورة الغلاف (اللوحة التشكيلية ) والإهداء (الى من سار بدرب الابداع مقتفيا اثارنا، هذه اوجاعنا، خذ وها، فالأدب يمهد الطريق للوصول للنقاء الروحي) هذه الاشارات للنص الموازي للمجموعة القصصية تؤكد ان هاجس القاص وثيمته القصصية التي تتكرر المجموعة هي (الحصار) وتأثيره الاجتماعي والسبب هو الحرب التي اوجدت الحصارا!

      الدلالات الفنية لقصص هيثم محسن الجاسم

      *الغموض في قصة (العيادة الطبية )
      يوظف القاص الغموض في السرد مفاهيم اجتماعية تمثل (الاخلاص- نكران الذات- الذوبان الاجتماعي بنوعية العمل- الشيخوخة– الوحدة- الخوف من الموت) يتجه السرد الى الأسلوب الصادم لبيان المشاعر لدى شخصيات مهمومة بمشاغلها الصغيرة “لم ينتقل الفراش العجوز الهزيل ذو الستين عاما القاعد على كرسي الحديد مع الدكتور الى المكان الجديد”ص54 بهذا الاستهلال المبهم تبدأ القصة حتى تثير لدى المتلقي مجموعة من الاسئلة (هل الطبيب تخلى عن فراشه العجوز والذي امضى معه اكثر من ثلاثين عاما؟ او ان الفراش باختياره لم يذهب مع الطبيب الى مكان العيادة الجديد لارتباطه وجدانيا بمكان العيادة القديم؟) هذه الاسئلة تنتقل من المتلقي الى السارد “لم افهم الاصرار العجيب بعدم الانتقال مع العيادة وبقائه ملازما للمكان القديم، بل قام بتثبيت لافته من ورق الكارتون خط عليها اسم الدكتور بلون احمر” مما يزيد الغموض الذي يلعب دورا مؤثرا في هذه القصة هو ما يقوله بائع الشاي عن الفراش العجوز ويرد على اسئلة السارد بان هذا الفراش ليس له مصلحة مادية بالبقاء يوميا بهذا المكان ، لكنه يؤكد على جلوس اشخاص مع الفراش ومن ثم مغادرتهم ، من هم هؤلاء؟ واية علاقة تربطهم بهذا العجوز؟ على الاخص وهو يوضح ان ابناء وبنات الفراش صاروا في مراكز وطيفية محترمة (حتى أن أحدهم نال شهادة البكالوريوس في الطب وبنفس اختصاص الدكتور صاحبه) تخمين الشخصي يذهب الى أنهم اولاد الفراش يحاولون اقناعه بترك هذا المكان “يقعدون الى جواره على الأرض ويستغرقون في حديث طويل لا ينتهي ألا بوقوفهم للوداع وبقعة رمادية رطبة عريضة تطبع على مؤخراتهم من إثر الجلوس”ص54 هذا الوصف يدل على اهتمام هؤلاء بالعجوز ولكن دون جدوى ، فهو يصر على مكانه و يردد لازمته (دكتور باطني..دكتور باطني)!! بعد ان خلق المشهد الاول من القصة ذلك الغموض الذي يوفر للمتلقي القدرة على التأويل، ينتقل القاص من الخاص (التسلية) لمشاهدة هذا المنظر الى الهم العام “صار النظر الى الفراش العجوز قبالتي جزءا من تسليتي اليومية المتكررة منذ تردي السوق الى هذا المنحدر الزلق باتجاه الهاوية .والاشارات الدالة على انخفاض القدرة الشرائية وعرش الكساد بتلابيب البضائع المتكدسة على رفوف المحل”ص56 وننتظر لقاء السارد بالعجوز ليزيل الحوار كعنصر مهم بالقصة بعض الغموض واذا بالحوار يزيد الغموض في نفس اتجاه الثيمة “فقلت له : الم يحن الوقت للتقاعد؟ ضحك ساخرا مقلبا شفتيه كأنه يعيب هذا النوع من الاسئلة: البيت للحريم.. لقد اعتدت على التعب والعمل/ أردفت مازحا: انت قوي..”هل تعتقد ان الوقت مبكرا على التقاعد اليس كذلك؟” – لا ارى ضرورة لأعادة نفس السؤال عن التقاعد يكفي ان تكون العبارة (انت قوي اليس كذلك) / أجاب بإصرار: نعم .. ليس مثلكم، عظامكم نخرة من الكسل والنوم./ عدت للسؤال بشكل آخر: هل أنت قوي لدرجة تستطيع ان تتزوج من فتاة؟/ ابتسم وحول وجهه الى الناحية الاخرى، ولما لم يجد احدا يتنصت لما يقول صاح: آه..الا هذه.. وتحسر طويلا”ص57
      تأتي نهاية القصة مؤثرة بعد هذا التوثيق الاجتماعي لتحقيق غاية بعيد المدى لمفهوم العمل وتأثيره الاجتماعي مع الغياب الفيزياوي للشخصيات الذهنية (الطبيب الذي كان يعمل معه الفراش- ابناء وبنات الفراش) ليكن اعتراف السارد (القاص) في ظل البطالة المقنعة لعمله في ظل الازمة الاقتصادية (هو أسعد مني، أنا الذي تحرقني حال السوق المضطربة، وتقضمني أسنان الحصار القاطعة منذ عشر سنوات بلا رحمة ويهددني الافلاس) وحين ما يعيد النظر للفراش العجوز (فلم أر شيئا على الكرسي الحديدي) – كان بودي ان تنتهي القصة عند هذه العبارة ليكتمل الغموض ويترك للقارئ تكملت النص ويجيب على اسئلته (هل جاء الطبيب القديم واخذ الفراش كرد للجميل والاخلاص؟ هل الابناء وبنات العجوز اقنعوه او اجبروه على مغادرة مكانه؟ هل صاحب مكتب الصيرفة الشاب ضاق ذرعا بتواجد الفراش وتخلص من وجوده بطريقة ما؟) لكن القاص يجعل النهاية بهذه العبارة التي يكسر فيها كل الغموض الجميل “لكني رأيت جسدا ناحلا ضئيلا بجلباب ابيض طويل يغفو إغفاءته الابدية على بلاط الرصيف البارد”ص58

      *موت الاسم
      في قصة (موت الاسم) وهي التي تحمل اسم المجموعة لا نجد فيها اي اسم! وكأن القاص اراد ان يقول ان هذا النوع من الموت يمكن ان يتعرض له اي عراقي في زمن (الحرب والحصار) لذلك تبدأ القصة بهذا الحوار ( الاول: أراك غير مستاء لفقد اسمك؟ الأخر: الصدفة فقط، جمعتني به) هناك الكثير من العراقيين لا يحبون اسماءهم ويرغبون في تغييرها او التخلص منها (ولدت، وولد معين لم اكن أحب هذا الجرس القاسي حتى اني كنت أجد صعوبة في لفظ حرف السين) كيف يموت الاسم وصاحبه على قيد الحياة؟ هذا الاشتباه او الاشكال ترى من وضع لافته بأسمه ليعتقد الناس انه مات!؟ وهو يحاول ان يقلب الحزن الى الفرح فيقول لصديقه (اليوم يصادف عيد ميلادي الاربعين ، إذا كنت حزينا علي لا تيأس كثيرا) ويقوم القاص بدس عبارة تخص الوضع العام (رغم الانحطاط والتدهور الذي اصاب البلاد من جراء الحصار والحروب ) يذكر لنا القاص اقواله وهي مقولات عن الاخلاق لا تضيف القصة شيئا! ولا ارى ضرورة الى هذا الاستطراد والسرد المباشر يكفي ان نجد ملاحظة صديقه (طالما أحببت حديثه، دائما يعظنا، لذلك لم يفاجأ بموت اسمه بل ظل باسما) وتنتهي القصة هادئة وطبيعية ، بينما كنت اتوقعها اكثر شمولية من حيث الفاعلية واكثر قدرة على التأثير لو توفرت لها حبكة درامية ونهاية غير متوقعة.
      *رأفة البحر
      يتعمد القاص ان يشير الى اعمار شخصياته ففي شخصية (موت الاسم) كان عمره الاربعين، اما بطل قصة رأفة البحر فهناك اشارة بهذه العبارة (لم يخطر ببالي أبدا، طوال سنين حياتي الخمسين، أن البحر يطاله التغير) كأنها اشارة الى عدم تغيير حياة الانسان الذي يعيش في العراق في ظل الظروف القاسية !فلا يجد القاص ان يجعل الحوار يدور بين بطل القصة والبحر وكأنه يمهد لحدث كبير “سرت باتجاه البحر خطوة خطوة، غير آسف على اختزال عمري ولكن حريق خمسين عاما يتلظى ألسنة لاهبة لا تطفئه بحور العالم جميعا”ص15 تكرار العمر غير موفق في القصة فهناك اشارة ثالثة حينما يريد وصف المسافة بينه وبين البحر (بعيدا عن الشاطئ الدبق مسافة خمسين عاما) هي قصة نفسية تنتهي بانتحار البطل في البحر (لم أجد عناء الخوض في غمار الدوامة صعبا، بل كان أيسر من الاحتضار نفسه، فشعرت بالامتنان للبحر عن الميتة الرائعة)
      *مستعمرة الكلاب
      القصة الاخيرة التي تم اختيارها من المجموعة كعينة لهذه القراءة النقدية للمجموعة هي (مستعمرة الكلاب) وفيها الأنسنة ، بأن يجعل القاص الكلاب تتكلم وتقرر وتتناقش،(قال الكلب العرافة(خطاف): ألم اقل لكم أن الآدميين سيحتاجون خدماتكم قريبا) هذا الكلب خطاف كان يعمل في سلك الشرطة لكنه تقاعد عن عمله(بعد ان استقرت رصاصة انطلقت من بندقية أحد اللصوص في ساقه مسببة له عاهة مستديمة) وبعد بيان اصالة خطاف (أباه ذئب وأمه شامية) هنا يتناول القاص مشكلة تجفيف الاهوار وتأثيرها على حياة الكلاب، ولا بد من الاشارة الى الحرب والحصار حتى في هذه القصة فيقول خطاف للكلاب ( لقد تردى الحال إلى الأسوأ بسبب الحرب الطويلة والحصار وتفشي البطالة، سجلت دوائر الشرطة حالات خطيرة من جرائم القتل والسلب والنهب. أمست الحاجة لكم ضرورية جدا من الناس ويكمل خطابه قائلا نحن معشر الكلاب لا نختلف عن البشر، الحياة جعلتنا طبقات وفئات فيهم الأغنياء والفقراء والمثقفون والأميون والكسبة والتجار ..فينا النشيط والكسول والمدلل والمهضوم والمدرب والمتسكع”ص26 في هذه القصة تأن كثيرا لتكون القصة اكثر نضوجا ، يلقي خطاف خطابه معلنا القرارات على بني قومه ( أولا: يجب أن يبقى الآدميون في ذعر دائم من اللصوص والقتلة. وذلك بالتغاضي عن بعض السرقات المرتكبة بحق بعض المتنفذين من أبناء المدينة. ثانيا :الإمساك باللصوص وشدهم، حتى يحضر من يمسك بهم ويودعهم السجن. .. واضاف : لقد وصلني خبر أن باعة الحيوانات الداجنة سيقيمون أسواقا خاصة بالكلاب في بغداد والمحافظات.. وهذا سيؤمن لكم الضمان الصحي والاجتماعي مجانا. يجبر الآدميين على عزلكم في بيوت خاصة تمكن العزاب من الزواج، إقامة بيوت مستقلة، إنجاب الجراء”ص28
      مجموعة (موت الاسم) للقاص هيثم محسن الجاسم، تضم قصصا تمثل وثائقا إبداعية ذات مدلول خاص.
      انتهت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى