مقالات

رسالة إلى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية إلى مدينة الخليل 3 من أسماء ناصر أبو عياش

#الشبكة_مباشر_أسماء ناصر أبو عياش

بسم الله الرحمن الرحيم

السيد الرئيس، سنَغُذّ السيرَ اليوم باتجاه الجنوب عبر عدة حواجز عسكرية لجنود الاحتلال، يتمركز أحد هذه الحواجز على مدخل مدينة رام الله وآخر في وسط الطريق نحو الجنوب، فيما يتواجد الأخير في هذه الرحلة ويتمركز على بوابة مدينة الخليل. مدينة الخليل واسمها الكنعاني حبرون، وتعني الصديق الوفي، وهو صفة أبو أنبياء الله إبراهيم حيث قدم إليها زائراً فمنحه أهلها كهفاً يواري به جثمان زوجته، ودفن هو أيضاً وبعض من أبنائه الأنبياء في ذات الكهف. أقام أهل المدينة على الكهف مقاماً تكريماً لأنبياء الله وأضحى المقام مسجداً يؤمُّه المؤمنون ورمزاً للإيمان على مر العصور حتى كان العام 1994 حينما اقتحم حرم المسجد مجرم صهيوني ادّعى الاحتلال فيما بعد أنه مختل عقلياً، اقتحم بيت الله وأطلق رصاصات حقده على المصلين المتوجهين لله ساعة فجر في يوم من أيام أكثر الشهور قداسة عند المسلمين، شهر رمضان، أعمل المجرم سلاحه ووابل رصاصه في صدور المصلين من رجالٍ وحتى أطفال كانوا بصحبة آبائهم يؤدون شعائر إيمانهم ساجدين.

سيظل اسم الطبيب الأمريكي باروخ غولدشتاين وعلى مر التاريخ رمزاً للإجرام والعنصرية وبشاعة الاحتلال، ولتكتمل أركان الجريمة قامت سلطات الاحتلال بالقوة بإغلاق المسجد أمام المصلين ووضعت العديد من الحواجز العسكرية لمنع وصولهم إليه ومن ثم قامت بتقسيمه ليتسنى للمستوطنين المغتصبين الدخول إليه وإقامة شعائرهم في انتهاك صارخ لحرمة المكان وشرعة حقوق الإنسان، أما القسم المسموح لنا فيتمركز على مدخله الوحيد حواجز جنود الاحتلال للتحقق من أذونات عبورنا وهويتنا، هذا المكان بكامل قدسيته يمنع أن يؤمه المسلمون في المناسبات اليهودية. وكما ترى فالحرم الإبراهيمي معلم إخر تقوم سلطات الاحتلال بتغيير وظيفته ونقل ملكيته والأمثلة كثيرة،

ففي مدننا المحتلة عام 1948 قامت إسرائيل عشية النكبة بهدم وإغلاق العديد من المساجد بل وحولت بعضاً منها إلى ملاهي وحانات في يافا وصفد وطبريا والرملة، وما زالت أطلالها واضحة للعيان كما في مسجد بلدة كفر عانة قضاء مدينة الرملة وغيرها، أما ما يحدث من انتهاكات وعلى مدار الساعة في المسجد الأقصى وكنيسة القيامة في القدس عاصمة السماء فلا يرضاه أي ضمير إنساني حي.

لقد عمل الاحتلال على فرض قوانينه وأحكامه العسكرية في الأحياء المحاذية للحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل، فأغلق الأسواق واحتل مستوطنوه بيوتاً مأهولة بعد طرد أصحابها منها بقوة السلاح، وبحماية جنود الـ “الجيش الأكثر أخلاقية في العالم!”. وكما ترى يا سيدي فإن لمدينة الخليل حكايا تُعري الاحتلال وتظهر بشاعته في كل حي وموقع. هنا في هذا الحي – تل الرميدة سنبيت ليلتنا في ضيافة أصدقاء، عائلة أبو هيكل، سترى أن الدخول لمنزل هذه العائلة الفلسطينية يحتم على أفرادها وزائريهم المرور عبر حاجز عسكري اسرائيلي يتمركز على مدخل البيت حماية لمستوطنين احتلوا أرضاً بمحاذاة البيت وأقاموا عليها بؤرة استيطانية تعتبر من أكثر البؤر الاستيطانية تنكيلاً بالسكان الفلسطينيين الآمنين! أرجو ألا يثير حفيظتك ما ستواجهه في هذا البيت وغيره من بيوتنا! إذ اعتادت مجموعات المستوطنين وبحماية الجيش “الأكثر أخلاقية في العالم!” على اقتحامه والبيوت المجاورة في جنح الظلام ليعيثوا تهشيما وتكسيراً وترهيباً في محاولة منهم لتهجير الفلسطينيين والاستيلاء على بيوتهم.
أتساءل، وربما يصحو ضميرك لتتساءل أيضاً كيف لإنسان أن ينحدر إلى هذا الدرك من البشاعة؟! إنه الاحتلال. وأتساءل هل لو أنك عايشت بعضاً من معاناتنا أو اطلعت على بعض من ممارساته العنصرية ضد شعبي هل كان هذا سيحرك في داخلك حس الإنسان؟

لتعذرني سيدي إذ نغّصت عليك زيارتك وكنت صاحبة الدعوة، كان بودي لو أصطحبك إلى مدينتي يافا، إلى عكا وحيفا، إلى كل فلسطين، لكن الاحتلال يحد من حريتي في التنقل في أرضي ويحظر علي زيارة مدينة القدس وباقي مدن فلسطين التي احتلها وطرد أهلها في العام 1948.

لقد طغى الاحتلال بجرائمه وبشاعته على كل ما هو جميل وطمس معالم الحضارة في حواضر الفن والجمال والتاريخ الفلسطيني لكنه لم يثن إرادتنا في المقاومة وإيماننا بحتمية النصر.
قبل أن نعود أدراجنا في اليوم التالي إلى الشمال لنواصل السير إلى مدينة نابلس سنتخذ سبيلا نحو بلدة ترقوميا إلى الجنوب من مدينة الخليل مروراً ببلدات عدة، قد تسألني ولمَ ترقوميا؟ إنها آخر حد يفصل الضفة الفلسطينية عن قطاع غزة. سنقف بالقرب من حاجز الاحتلال ولا نعبره! فغزة محاصرة يُمنع الخروج منها أو الدخول إليها، وهي صورة حية لمأساة الإنسان وصلف الاحتلال. في طريق عودتنا سنعبر من جانب مخيم الفوار وهو أيضاً للاجئين الفلسطينيين، يشكل المخيم للاجئ الفلسطيني سكناً مرحلياً بانتظار يوم عودته. بالمناسبة ياسيدي، لقد رفض والدي رحمه الله أن ينتقل من بيته في المخيم حيث ولدت أنا وإخوتي، رفض أن ينتقل إلى بيت خارج حدود المخيم آخذاً عهداً على نفسه إما إلى يافا وإما إلى القبر!! توفي والدي أثناء اجتياح جيش الإحتلال الإسرائيلي لمدينة رام الله المحاصرة آنذاك ولم أتمكن من رؤيته أو توديعه.

تلك هي بعض من حكايتنا يا سيدي تُرى أي مخيلة يمكن أن يتصورها عقل شخص مثلك لا يرى العالم إلا من خلال وجهة واحدة؟

وهل يمكن لي أو لغيري من أبناء شعبي أن نُحدِثَ تغييراً أو نوقظ الإنسان في داخلك؟

سأكتقي اليوم بزيارتنا لمنطقة الخليل فالمآسي ذاتها والمعاناة من ممارسات وقمع الاحتلال ومستوطنيه ذاتها في كل المواقع، وستكون وجهتنا السبت القادم إلى شمال الضفة الفلسطينية التي ما زالت محتلة.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى