أخبار العائلة العربية في المهجرمقالات

في غزة، لا يكفّ الماضي و الحاضر عن التداخل حيث تلتقي الأساطير بالواقع ويسلط الزمان المتوغل في الماضي أضواءه

#الشبكة_مباشر_بروكسل_الكاتب حسان البلعاوي

في غزة، لا يكفّ الماضي والحاضر عن التداخل، حيث تلتقي الأساطير بالواقع، ويسلط الزمان المتوغل في الماضي، أضواءه، على أحداث الساعة وهي تتشابك مع الجغرافيا. ”

من كتاب ” غزة والحركة الوطنية الفلسطينية ” لمؤلفه حسان البلعاوي والصادر عن دار الشروق في الأردن 2107

” أما تسمية غزة بهذا الاسم، فلها تفسيرات ومعانٍ عديدة في عدد من اللغات العربية والفارسية والرومانية، تتراوح بين العزة والثبات والقوة. وقد كتب عدد من المؤرخين في هذا الأمر. وغزة ذكرتها التوراة، كما تقول كتب التاريخ، فالإنجيل العبري يُشير إليها كمدينة ملعونة مشؤومة.

وهكذا يُترجم تعبير “اذهب إلى الجحيم” في اللغة العبرية: “اذهب إلى غزة”. وهذا ربما قاد رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين إلى أن يطلق تصريحه الشهير عام 1992، حين قال إنه يحلم أن يستيقظ من النوم ويجد غزة وقد ابتلعها البحر.

والشيء بالشيء يذكر، فهناك كتاب للصحافية الإسرائيلية عميرة هس بعنوان “شرب البحر في غزة”، وقد كانت مراسلة جريدة هآرتس الإسرائيلية في غزة، وهي من أكثر الصحافيين الإسرائيليين معاداة للاحتلال الإسرائيلي، وتندد به بشكل دائم في مقالاتها التي تتم ترجمتها للغات أجنبية.

في غزة، لا يكفّ الماضي والحاضر عن التداخل، حيث تلتقي الأساطير بالواقع، ويسلط الزمان المتوغل في الماضي، أضواءه، على أحداث الساعة وهي تتشابك مع الجغرافيا.

ولغزة موقع إستراتيجي مهم كحلقة وصل بين قارتي آسيا وأفريقيا، حيث نقل المؤرخ الفلسطيني عرفات سليم المبيض في كتابه “تاريخ قطاع غزة”، عن القائد الفرنسي نابليون بونابرت، قوله: “غزة هي الجسر لآسيا، وهي بوابة أفريقيا”. وقد دخل غزة في طريقه إلى الشمال الفلسطيني، حيث أقام فيها ثلاثة أيام، في مكان يطلق عليه اليوم “قصر الباشا”، الذي يسمى أيضًا “قلعة نابليون”، حيث اعتبر أن غزة جسدت بموقعها عبر العصور “عبقرية المكان”، لما لها من أهمية تجارية وعسكرية، كما يكتب المؤرخ محمد محمد حسن شراب في كتابه “غزة هاشم عروس الشام وثغر المرابطين”، حيث تكمن الأهمية التجارية لموقع غزة بأنه نهاية طريق القوافل التجارية التي تأتي بالمحاصيل الصحراوية ومحاصيل المناطق المدارية في أفريقيا وآسيا لأسواق البحر المتوسط منذ أقدم العصور. في حين ظهرت الأهمية الحربية لموقع غزة في العصور الوسطى، حين كان التنافس الدولي شديدًا بين أعظم قوتين في العالم القديم: الدولة المصرية والدولة البابلية أو الآشورية، فكانت غزة على طريق الجيوش، تمر بها القوات الزاحفة من مصر إلى بلاد ما بين النهرين، أو القوات الزاحفة من تلك الجهات إلى مصر. ومن هنا تأتي أهمية مقولة بعض المحللين الإستراتيجيين المعاصرين بأن غزة تشكل عمقًا للأمن القومي المصري.

والتطرق إلى سيرة القائد الفرنسي نابليون بونابرت يقود إلى الحديث عن حملته العسكرية التي قام بها في مصر، والتي كانت حملة استعمارية بغطاء ثقافي، كما يذكر سليم عرفات المبيض، حيث كان ينوي الوصول إلى سوريا عن طريق لبنان، فمر من غزة بعد عبوره مع جيشه سيناء تحت لهيب الشمس، حين لمح غزة وقد تجمعت فوقها السحب، وحين وصل إلى أبواب المدينة، بدأت السماء تمطر، ثم هدأت الحرارة، وبدتْ غزة مُشعّة تحت السحاب. حينذاك، لم يتورع بونابرت عن تشبيهها بباريس.

واقترف جيش بونابرت مذبحة شنيعة في يافا، الأمر الذي جعل الفلسطينيين يعدون له مقاومة شرسة في عكا، التي ساعدت أسوارها القائمة حتى اليوم، على تمكين الأهالي من مقاومة هجمات الجيش الفرنسي وتكبيده هزيمة نكراء.

وقد خلفت هذه الهزيمة التي كانت إيذانًا ببدء انسحاب الفرنسيين، مثلاً عربيًّا مشهورًا؛ فحين يريد شخص ما التقليل من شأن عمل قام به شخص آخر، يقول له: “إن ما فعلته ليس فتح عكا”، بمعنى أنه ليس شيئًا يذكر.

وقد حاول الفرنسيون عبثًا غزو مدينة نابلس التي كانت تسمى “جبل النار”.

وأصل التسمية أنه حين هاجم الجنود الفرنسيون المدينة، أشعل الأهالي، الذين لجأوا إلى المرتفعات، نارًا كبيرة تسببت في صدّ المهاجمين.

وعودة إلى غزة التي تعتبر من إحدى أقدم المدن في التاريخ، وقد تتابع على سكنها وحكمها، في مراحل تاريخية متعددة، عديد من الشعوب والقبائل، بدءًا من الكنعانيين والمعينيين القادمين من اليمن، كما يروي ابن غزة، الشاعر هارون هاشم رشيد في كتابه “غزة.. قصة مدينة”. كما سيطر عليها المصريون وتركوا بصمات واضحة في العديد من مناحي الحياة، واستوطن غزة الهكسوس، الذين تركوا آثارًا مهمة وتبعهم الآشوريون الذين كانوا في حالة صراع تام مع أهلها ومع الفراعنة الذين عادوا للسيطرة عليها من جديد.

وخضعت غزة لحكم الفرس عام 525 قبل الميلاد في عهد ملكهم ” قمبيز “، يوم سار إليها على رأس جيش جرار في طريقه لمصر، كما يقول الشاعر هارون هاشم رشيد.

وخلال حكم الفرس الذين جعلوا من غزة قلعة عسكرية محصنة ومركزًا تجاريًّا مهمًّا، هاجمها اليونانيون بقيادة الإسكندر المقدوني عام 322 قبل الميلاد، كما يذكر عارف العارف في كتابه “تاريخ غزة”، وقاومت غزة بشراسة الغزاة اليونانيين، الأمر الذي أدى إلى جرح الإسكندر نفسه، فضيّق الخناق عليها واقتحمها بعد أربع هجمات متتالية.

ويكتب عارف العارف أنه في عهد الإسكندر، كانت غزة تعتبر من أعظم المدن السورية على الإطلاق. وقد وصفها مؤرخو اليونان بـ”المدينة العظيمة”، لانبهار الإسكندر بها لموقعها الإستراتيجي وللكنوز العظيمة التي كانت بها من حلي ومجوهرات، فأعاد بناءها، وأحضر اليونانيين ليسكنوا بها، وجعل منها مركزًا مهمًّا لنشر الثقافة اليونانية في الشرق، وكانت بها مدارس مهمة لأجيال طويلة تدرس الفلسفة والبلاغة، حيث كان الطلاب يقصدونها من أثينا للدراسة فيها، كما راجت بغزة النقود المسكوكة باسم الإسكندر.

ومع وفاة الإسكندر، اختلف الحكام الذين خلفه فيما بينهم، فدخلوا في صراع عسكري، أدى في نهاية المطاف إلى سيطرة الرومان عام 96 ق.م، الذين أعادوا إعمارها، ومنحوها إدارة مستقلة. وأصبحت في عهد هيرودوس مقاطعة رومانية، ازدهرت فيها التجارة والعلوم والعمران. ما كتب هارون هاشم رشيد، وكانت عبادة الأوثان منتشرة فيها، بالإضافة لفلسفة أفلاطون التي كانت تدرّس في مدارسها.

وسك الرومان نقودًا في غزة تحمل اسم غزة على وجه، وحرف “M” على الوجه الآخر، نسبة إلى صنمهم المعبود باسم “مارنا”، الذي بنوا باسمه هيكلاً للدلالة على أهمية وعظمة غزة بالنسبة للرومان، وهذا الهيكل سيتحول في عقود لاحقة إلى كنيسة في فترة دخول الديانة المسيحية إلى غزة، ومن ثم إلى مسجد في فترة الحكم الإسلامي، وهو ما يطلق عليه اليوم الجامع العمري.

ويوجد في غزة فندق صغير باسم “مارنا هاوس” في حي الرمال، يحوي حديقة جميلة ومقهى، وهو أحد الفنادق التي يفضلها الصحافيون الأجانب لهدوئه ومحافظته على المعمار القديم في سنوات الأربعينيات من القرن الماضي. وقد أصدرت صحافية سويدية تدعى “لوتا سيشيلركفيست” كتابًا بعنوان “سر المارنا.. قصص من غزة”، تروي فيه تجربة عملها صحافية خلال 7 سنوات، منذ عام 2002، وتذكر جزءًا من تاريخ غزة الاجتماعي والثقافي من خلال هذا الفندق.

كما أعطى الرومان وضعًا إداريًّا خاصًّا لغزة، فكان إمبراطور روما يديرها مباشرة بواسطة مندوب سامٍ ينوب عنه، وكان للمدينة مجلس مؤلف من 500 عضو، ومحكمة بلدية، وكرسي للقضاء في هذه المحكمة.

وكانت غزة أحد معاقل الوثنية، وبها ثمانية هياكل يتعبد بها الغزيون، بالإضافة للأصنام الكثيرة في البيوت، كما كان لغزة إله كان يسمى “داجون”، وهو الأمر الذي يفسر المقاومة الشديدة التي واجهتها الديانة المسيحية في الدخول لغزة، من خلال مواجهات بين الوثنيين والمسيحيين عام 395 ميلادي، حين تولى فيها الأسقفية القديس “برفيريوس”، الذي استنجد بالإمبراطورة “أفدوكسيا” لإغلاق معابد الوثنيين، فأرسلت ضابطًا اسمه “هيلاريوس”، أخمد مقاومة الوثنيين، وهدم معابدهم، وبنى مكان معبد “مارنا” عام 407 كنيسة “أفدوكسية” باسم الإمبراطورة، إلى جانب كنيسة القديس “برفيريوس”، الموجودة في حي الزيتون الشعبي, والكنيسة المعمدانية.

أما المسيحيون في غزة اليوم، فإن تعدادهم لا يتجاوز 5 آلاف نسمة، بعد أن كان حوالي 30 ألف نسمة. وقد ظلوا الفئة الأكثر ازدهارًا في فلسطين، وما زالت أعياد الميلاد وصلاة القدّاس تقام في المدينة رغم كل الظروف، بما فيها عام 2007، وهي السنة التي أحكمت فيها حركة حماس سيطرتها العسكرية على القطاع.

و ليس الوجود المسيحي في قطاع غزة رمزيًّا، فالمدارس المسيحية مفتوحة في وجه الجميع، وترتادها أغلبية من المسلمين، وفيها تسجّل العائلات الميسورة أولادها.

ولهذه المؤسسات التعليمية المسيحية سمعة طيبة، لأنها تلقن تلاميذها تعليمًا جيدًا، ولأنها أيضًا تعلمهم اللغة الفرنسية، وهي التي ساهمت في تشكيل النخبة الفلسطينية.

وقد كان المسيحيون دائمًا نشطين في مجال التجارة وفي الحركات السياسية. كما لعبوا دورًا كبيرًا في طليعة الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة غداة نكبة 1948.

وكان الرئيس ياسر عرفات، دؤوبًا في الذهاب لمدينة بيت لحم سنويًّا لحضور قدّاس عيد الميلاد، حيث كان أول رئيس عربي يقوم بهذه المبادرة.

وقد كان عرفات يرى في فلسطين مهد المسيحية. وعيد الميلاد يوم عطلة رسمية في كل فلسطين لجميع الموطنين، مسيحيين كانوا أم مسلمين. وقد استمر الرئيس محمود عباس على نفس التقليد، بحضور طقوس صلاة أعياد المسيحيين ضمن التقويمين الغربي والشرقي، التي ينقلها مباشرة تلفزيون فلسطين الرسمي.

وقد سبق لي أن أنجزت تحقيقًا صحافيًّا لتلفزيون فلسطين، عندما كنت مديرًا للقسم الناطق باللغة الفرنسية، حيث غطيت فيه حينها، أنشطة الطائفة المسيحية خلال خمسة أيام، أعطيته عنوان “حفلات عيد الميلاد في غزة”، وهو ما يظل من أجمل ذكرياتي الصحافية. وقد اكتشفت أن الفلسطينيين الذين يحضرون هذه الاحتفالات في غزة ليسوا مسيحيين فقط، بل ومسلمين أيضًا.

كما أن هذا الحدث يكتسب أهمية كبيرة تدفع جميع زعماء كل الأحزاب السياسية إلى التوافد لحضور القدّاس الديني المسيحي، للتعبير عن تآخيهم وصداقتهم مع مواطنيهم المسيحيين..”

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى