مقالات

كلمة د. محمد الحوراني في تكريم د. عبد الحسين شعبان…حربُ الوثائق في تعريةِ الاحتلال الصّهيونيّ

#الشبكة_مباشر_بروكسل

عبدُ الحُسَين شعبان… حربُ الوثائق في تعريةِ الاحتلال الصّهيونيّ

من الصعوبة بمكان أن تجدَ أديباً بارعاً في السياسة، ومن النادر أن ينجحَ مُثقَّفٌ في الإمساكِ بخيوط الاقتصاد والقانون، وأن يُناقِشَكَ فيهما نِقاشَ الخبيرِ العارفِ بتفاصيلِهما على اختلافِ مدارسِهما، بعدَ تقديمِه مُرافَعاتٍ عاليةَ المُستوى في الدِّفاعِ عن حقوق المظلومينَ في أصقاعِ المعمورة، بل إنّ قِراءَتَهُ المُعمَّقةَ وسَبْرَهُ أغوارَ القضيّةِ الفلسطينية جَعَلاهُ أحدَ أبناءِ هذه القضيّةِ المُخلِصينَ لها، والمُدافِعينَ عنها في المحافل العربيّة والدولية، وهو الذي انتقدَ بقسوةٍ آراءَ كثيرٍ من المُثقَّفين الغربيّين المُتَحامِلينَ عليها، والراغبينَ في تدنيسِ طُهْرِها، تماماً كما فضحَ المُحاولاتِ الصهيونيَّةَ في تهجير الشعب الفلسطينيّ من غزّةَ وغيرِها من المناطقِ الفلسطينيَّةِ بعدَ عمليّةِ طُوفانِ الأقصى، التي أثبتَتْ هشاشةَ القُوّةِ العسكريّةِ الصهيونيّةِ وتَهالُكَ أجْهِزَتِها الأمنيَّةِ أمامَ إرادةِ المُقاوِمينَ من أصحابِ الأرض والحقِّ المُغتصَب.
إنّهُ الباحثُ المُفكِّرُ الأديبُ الأستاذُ الدكتور عبدُ الحُسَين شعبان، أحدُ أهمِّ البارعينَ في فَضْحِ الرواية الصهيونية القائمةِ على التزييفِ والتَّدْلِيسِ في وَجْهِ الروايةِ الفلسطينية القائمةِ على التَّمسُّكِ بالحقِّ، والتصميمِ على استعادةِ الأرض، ولأنَّهُ كذلكَ فقد قضى جُلَّ حياتِهِ مُدافِعاً عن مظلوميّةِ الشعب الفلسطينيّ في وجهِ آلةِ القتلِ والإبادة الصهيونيّة.

للوَهْلَةِ الأولى، وللأرقِ الفكريِّ الذي أصابَ القارئَ العربيَّ، وأيَّ قارئٍ أُمَمِيٍّ آخَرَ، وَصَلَتْهُ (سرديّاتُ الإرهاب) بكُلِّ ما تَحمِلُهُ من خفايا مُتعلِّقةٍ جُذورُها بالحركةِ الصهيونية على وجهِ العُموم، وزيفِ الفِكْرِ الصّهيونيّ على وَجْهِ الخُصوص، سيحسبُ المُتلقّي عبرَ تلك الوهلة؛ أنَّ هذه الإضافةَ، وتحديداً ما يخصُّ هذا الموضوعَ، سينتهي مَلَفُّها معَ بقيّةِ مُكدَّساتِ الرُّفوفِ بينَ الصَّمْتِ والغُبار، خلالَ أكثرَ من سبعينَ سنةً من وهمِ التجميع وضبابيّةِ السَّرْدِ والكلامِ العابر.

لكنَّ قِراءةَ سرديّاتِ عبدِ الحُسَين شعبان المُؤرِّخِ العربيِّ العراقيِّ ووثائقِهِ تجاهَ ما خَطَّهُ عن الحركة الصهيونيةِ وزيفِ الفِكرِ الصهيونيِّ؛ تَجْعَلُكَ تَتَحَسَّسُ كُلَّ حرفٍ وكلمةٍ وجُملةٍ حفرَها الكاتبُ في ملفِّهِ المُوجِعِ حَدَّ الأرَقِ، وفي سرديّاتِهِ الدامِغَةِ للسَّرْدِيّاتِ الصهيونيّةِ الزائفةِ الزاهِقَة، كما أنَّ القارئَ العربيَّ، أو أيَّ قارئٍ آخرَ في العالم وَصَلَتْهُ تلكَ الوثائقُ، سيُدرِكُ أنَّها مِنْ أهمِّ وأخطرِ ما كُتِبَ ووُثِّقَ في هذا الموضوعِ المُربِكِ والشّائِكِ، إضافةً إلى أنَّ مُتابعةَ القراءةِ وسَبْرَ أغوارِ تلكَ الوثائقِ المُهِمَّةِ ستَنقُلُ القارئَ مِنْ عينِ البصرِ إلى عينِ البصيرة، ليَقِفَ على حقيقةِ ما وراءَ السُّطور، لتَكُونَ عملاً مُميَّزاً مُقارَبَةً، أو ما يُضاهيه قِيمةً وكَشْفاً وحقيقةً.

إنَّ كُلَّ إصدارٍ مِنْ مجموعةِ الإصداراتِ /الوثائق/ التي أعدَّها الباحثُ د.عبدُ الحُسَين شعبان، يُمثِّلُ وثيقةً للسّرديّةِ الصّهيونيَّةِ المُزيَّفةِ وللإرهاب المدعوم صهيونياً، ولا سيّما بما حَملَتْهُ “الغُرفةُ 46” سرديّات الإرهاب… خفايا وخبايا، وكتابُهُ: [عُصْبَةُ مُكافحةِ الصهيونيّة ونقض الرواية الإسرائيلية]، الذي يُمثِّلُ امتداداً للكِتابِ التوثيقيِّ الكاشف: [مُذكّرات صهيونيّ… يوميّات إيجون ريدليخ في مُعَسْكَر تيريزين]؛ هذه الكتبُ والوثائقُ أثبتَت القُدرةَ والبراعةَ في التأريخِ وفي التَّنْقِيبِ الفكريِّ والتَّوغُّلِ في عُمْقِ التفاصيل لدى المُفكِّرِ عبدِ الحُسَين شعبان، ما عدا كَشْفَها القِيمةَ العاليةَ لعملِهِ، والفَضْحَ القائمَ على أُسُسٍ تاريخيةٍ وعلميةٍ للمُمارَساتِ الصهيونيةِ بحقِّ أبناءِ الأرضِ منذُ النكبةِ حتّى يومِنا هذا.

الوثائقُ والتفاصيل:

أقِفُ هنا، بعدَ قراءاتٍ عدّةٍ لمضامينِ كُتُبِ د.عبدِ الحُسَين واسترجاعِ مُحتوياتِها، على أخطرِ النقاطِ والوثائقِ وأهمِّها، الّتي وردَتْ في تصنيفاتِ كاتبِها لتكونَ أمامَ قُرّائها: بَلْوَرَةً لوقائعِ قِلّةٍ مِنَ المُؤرِّخينَ وأحداثِهم وسرديّاتِهم.

آ ـ النُّقطةُ الأولى والأهمُّ تتعلّقُ بما كشفَهُ الكاتبُ في كتابِهِ “عُصبة مُكافحة الصهيونية ـ ونقض الرّواية الصهيونية ـ الإسرائيلية”، ولعلّهُ سبقَ غيرَهُ في ما قدَّمَهُ في هذا البحثِ من جُهدٍ مُتميِّز ورصينٍ لدحضِ الصهيونية وزيفِ تلفيقاتها التاريخية عبرَ إضاءةِ فصلٍ كاملٍ ومُهمّ، فصلٍ منسيٍّ أو مُهْمَلٍ من تاريخِ الكفاح الوطنيِّ العراقيِّ، الذي أسْهَمَ فيهِ: [يهودٌ تقدُّميُّونَ مُعادُونَ للصهيونية]، إذ شكَّلُوا: “عُصبةً لمُكافحتِها بتوجيهٍ من: “فهد ـ الأمينِ العامِّ للحزبِ الشيوعيِّ، الذي أُعْدِمَ عامَ 1949م، وهو أحدُ المُفكّرينَ الذينَ أنجَزُوا عناوينَهُمُ المُهمّةَ في القانونِ والسياسة والفلسفة والتاريخ والاقتصاد والمجتمع المدنيّ والفكر الدينيّ. قدّمَ اجتهاداتِهِ الجريئةَ وآراءَهُ النقديَّةَ، لتَقُودَهُ إلى ساحةِ الإعدام.

ب ـ النُّقطةُ الثانيةُ تتعلّقُ بكتاب شعبان: [من ناحيةِ علاقتِهِ بالمُقاوَمَةِ تاريخياً، والقضيّةِ الفلسطينية بُوصلةِ العرب والعروبةِ والمُسلمينَ في العالم، وقِبْلَةِ كُلِّ مُنْحازٍ إلى عدالةِ القضيّةِ الفلسطينية، ومظلوميّةِ شعبِها، والنِّضالِ الفلسطينيِّ ضدَّ الإرهاب والاستيطان الصّهيوني.

ج ـ النُّقطةُ الثالثة: ما كشفَهُ الكتابُ الأخطرُ عن [موقف الحركة الشيوعيّة بقيادة: يوسف سلمان يوسف /الحركي فهد/ من القضية الفلسطينية، والمُلابَسات التي قادَتْ إلى تغيُّرها لاحقاً.
د ـ النُّقطةُ الرابعة: الكشفُ عن برنامج الحركةِ الصهيونية [من المهد]: البدايات وما حملَتْهُ، وهي:

1- الحركةُ الصهيونيةُ القائمةُ على أُسُسِ السَّلام عُنصُرِيّةٌ دينيّةٌ رجعيّة.

2- الهجرةُ اليهوديّةُ لا تحلُّ مُشكلاتِ اليهودِ المُقْتَلَعِينَ من أورُوبّا، بل إنّ ذاكَ العملَ ما هو سوى غَزْوٍ مُنظَّمٍ تُدِيرُهُ الوكالةُ اليهوديّة.

3- تقسيمُ فلسطين مشروعٌ إمبرياليٌّ قديمٌ يستندُ إلى استحالةٍ مُفْتَرَضَةٍ للتَّفاهُمِ بينَ اليهودِ والعرب، وهذه نقطةٌ بالغةُ الأهميّة، ولا سيّما أنّها تُؤكِّدُ إخفاقَ حلِّ الدولتَينِ، الذي نُوْدِيَ بهِ مُدَّةً طويلةً من الزمن، وعادَ اليومَ ليُطِلَّ برأسِهِ مِنْ جديد، وهو ما يُؤكِّدُ استحالةَ تَحقُّقِ الفكرةِ البائدةِ القائمةِ على قيامِ دولتَينِ هما دولةُ الحقِّ التي يُمكِنُ أن تقومَ جنباً إلى جنبٍ معَ دولةِ الباطل، وهو أمرٌ لا يُمكِنُ أن يتحقَّقَ في حالٍ من الأحوال.

4- لا يُحدِّدُ شَكْلَ حُكومَةِ فلسطينَ إلّا الشَّعبُ الفلسطينيُّ، شعبُ فلسطينَ الأصيل.

5- سيُؤدِّي تقسيمُ فلسطينَ إلى خُضوعِ الأكثريّةِ العربيَّةِ للأقليّةِ الصهيونيّة.

تكشفُ سرديّاتُ /الغُرفة 46/ وخفايا شهادتها عن: [قنوات سرّيَّة طاولت شُكوك بعضها، لتظهرَ الحقيقة من مصادرها، وهي شهادةٌ تَمسُّ صميمَ الحقيقة، وتكتسبُ قيمةً أُخرى عن سواها من الشّهادات، أو الكتابات التي تناولَت التنظيماتِ الّتي تعتمدُ على أسلوبِ العُنفِ فلسفةَ عملٍ ومنهجَ حياةٍ، من دُونِ اكتراثٍ بما سَتَؤُولُ لهُ المُمارسةُ، للاعتقاد، أو للزّعْم، أو لتبريرِ بعضِ الشِّعارات الجذّابةِ لقضيّةٍ عادلة؛ حتَّى لو استلزمَ الأمرُ اللُّجوءَ إلى أساليبَ مُلتويةٍ لتحقيقِ الأهداف].

وتكشفُ الشهادةُ خبايا الإرهابِ وخفاياهُ، ليس بتصديراته الخارجية، بل بعلاقاتهِ الدّاخلية أيضاً، وتُحلِّلُ، وتُدقِّقُ، وتُضِيفُ جوانبَ أُخرى، بعيداً عن دائرة الضوء، ولا سيّما: أبعادها، وارتباطاتها، وأسبابها الحقيقية.

من خلالِ هذا كُلِّهِ، وما وردَ من خفايا حربِ الوثائق، ومُلابسات فكرِ الجيتو، وزيف الخُرافات، فإنَّ مُؤَرَّخاتِ د.عبدِ الحُسَين شعبان وقِيمَتَها التاريخيةَ تَكْمُنُ في أهمّيّتِها، قياساً بغيرها، فقد غاصَتْ عميقاً، فكشفَتْ بجدّيّة تعامُلِها واستنباطها كُلَّ ما خَفِيَ من تلك البلايا والخفايا، في وثائقها الخَطِرَة، التي ستحملُ اسمَها [حرب الوثائق على الدَّوام].
أخيراً، يُمكِنُني القولُ: إذا كانتْ دمشقُ قد زادَتْ أُستاذَنا ومُفكِّرَنا الكبيرَ “فلسطنةً” على الرَّغمِ من انتمائِهِ الوجدانيِّ إلى فلسطينَ وتعلُّقِهِ بها من باب الحقوق والعدالة بقضيّتها، فإنَّ عبدَ الحُسَين شعبان من خلالِ أفكارِهِ وكتاباتِهِ جَعلَنا أكثرَ يقيناً باقترابِ بُزوغِ الفجرِ الفلسطينيِّ، ولا سيّما بعدَ البُطولاتِ الكبيرةِ الّتي قدَّمَها الشعبُ الفلسطينيُّ على مذبحِ الحُرّيّةِ والخلاص من دَنَسِ الاحتلال الصهيونيّ.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى