مقالات

المسؤول و أحمر الشفاه

#الشبكة_مباشر_سامراء_د. سهام السامرائي

تناقلت بعض المجلات النسائية خبرًا مفاده((إنَّ إحدى المحاكم الأمريكية العليا بولاية (أنوا)أعطت الحقّ لأصحاب العمل في فصل الموظفات اللاتي يرون أنهنّ جذابات أكثر ممّا يجب: ما يشكل خطرًا على الزوج المدير، وذلك بناءً على شكوى رفعتها مساعدة طبيبٍ فُصلت تعسفًا، والتفاصيل تعلن أنَّ زوجة هذا الطبيب كرّرت مطلبها لزوجها أكثر من مرّةٍ بطرد المساعدة بسبب جمالها الطاغي، إضافة إلى اختيارها لملابس ضيقةٍ أثناء ساعات العمل، والنتيجة أنَّ المحكمة رفضت دعوى المساعدة وأيّدت الفصل و الإبعاد لها، ممّا أثلج قلب الزوجة ()( ).

وفي مقالٍ للكاتب الكويتي (محمد النغيمش) ذكر فيه روايةً عن أحد المسؤولين في بنكٍ عربي عريقٍ قال فيه للكاتب: إنَّ لديهم موظفة منتجة ومثابرة لكنها عملت (بلبلةً في جميع الإدارات) بحسب تعبيره، إذ إنّها ليست جميلةً ولكنها ترتدي ملابس فاضحةً حتى إدارة شؤون الموظفين صارت ترد إليها من هذه الموظفة عدّة شكاويمن تحرشاتٍ جنسيةٍ. وبعد شهورٍ طويلةٍ نفد صبر الإدارة فقرّر المسؤول المباشر مصارحتها إذا استمرت في هذا اللباس فإنّه سوف يطلب منها أنْ تستقيل طواعيةً.

وفي المقالة ذاتها ذكر الكاتب أنّه كان في رحلة عملٍ إلى اسطنبول مع زملاءٍ له من الأمريكيين، إذ كانوا واقفين أمام مصعدٍ كهربائي، في بهو إحدى البنايات الشهيرة بالحي المالي هناك، ولمّا فتح باب المصعدخرجت مجموعةٌ من الموظفات بملابس لفتت انتباه كلّ من كان في البهو يتبعهن شذى عطورٍ نسائيةٍ فواحةٍ وأصوات كعوبٍ عاليةٍ، أحدثت جلبةً في رواق المبنى، فسألتُ الزملاء الأمريكيين: ما الذي أثار استغرابكم ؟ فقالوا: هذه ملابس (فاضحة جدًا)Too Revealing ، وأضاف أحدهم قائلاً : ( إنّني عملت نحو19 عامًا في نيويورك وأتردّد على معظم الأحياء المالية في أمريكا، على مدار العام، لكنني لم أجد نساء يرتدين هذه الملابس في العمل، والتي تكشف معظم أجسادهن وكأنّهن يقضين نزهةً على شاطئ البحر)!ومضى يقول: (ليس في هذا البلد فقط، بل شاهدت في عددٍ من بلدان الوطن العربي ملابس فاضحة أيضًا لا تتناسب مع أجواء العمل التي يفترض أنْ تكون ملابسها ذات طابعٍ مهني Dress professional ).

والحقيقة أنَّ غالب الموظفات أو المساعدات لا يشكلن خطرًا على الزوجات فقط؛ بل أصبحن يشكلن خطرًا على المؤسسة التي يعملن فيها وعلى بقيةالموظفات والموظفين من كلا الجنسين والسبب في ذلك أنَّ المدير أو المسؤول أيًا كان عنوانه الوظيفي أصبح أداةً طيّعةًهشّةًبيد تلك الموظفة التي تجاوزت مهامها كمساعدةٍتقوم بتنظيم المواعيد والمقابلات والاجتماعات وترتيب البريد والملفات،وغير ذلك من المهام، بل أصبحت تتعامل معه كأنثى،لافتةً انتباهه بشكلٍ آخر تمامًا، مستخدمةً جسدها كسلعةٍ استهلاكيةٍ فتراها بآخر صيحةٍ من المكياج الصارخ والملابس الضيقة الفاضحة التي تظهر معالم وتقاسيم جسدها كأنّها في حفلةٍ أو غرف نومٍ وليس مكان عملٍ كي يرضى عنها ويزيد من مكافأتها. والمكافأة غالبًا ما تتناسب طرديًا مع درجة تدرج أحمر الشفاه إذ كلما كانت درجة أحمر الشفاه جاذبةً أكثر كلما كانت المكافأة أكبر .

وهذا الفساد ناتجٌ عن غياب الدور الرقابي والإجرائي للدولة في مؤسساتها فإذا كانت الدولة عاجزةً عن فرض سلطتها على العاملين في المؤسسات والشركات الأهلية فإنّها غير عاجزةٍ عن فرض سلطتها على العاملين في مؤسساتها الحكومية.

وقد انتبهت بعض الدول المتقدمة إلى هذا الأمر، فحين تتحول العلاقة بين المسؤول والموظفة من علاقة عملٍرسمي إلى علاقةٍ خاصةٍ، لابدّ من تغيير أحدهما؛ لأنَّ مصلحة العمل فوق الجميع وهذا ما يحدث في الكثير من مؤسساتنا؛ إذ أصبحت ظاهرة بناء العلاقات المشبوهة بين المسؤول والموظفة ظاهرةً تستدعي الوقوف عندها وبيان الحكم الشرعي والقانوني تجاهها؛ لما لها من تبعاتٍسيئةٍعلى المرأة والرجل والمجتمع ومكان العمل. وما نراه اليوم من علاقاتٍ غير سويةٍ في بعض المؤسسات الحكومية ممّا يؤكد شيوع ثقافة الفساد والإفساد، إلى درجةٍ مثيرةٍ للاشمئزاز والتقزز،ومن المؤسف أنْ نضطر إلى الحديث عن هذه السلوكيات غير السوية التي ينبغي أنْ تكون بعيدةً كلّ البعد عن مجتمعاتنا العربية والإسلامية.بحكم عاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا وقيمنا فنحن أولى من الغرب في الالتفات إلى هذا الأمر وبيان خطورته.

ومن بين أهم الأسباب التي أدّت إلى انتشار ثقافة الفساد بهذا الشكل المخيف في المؤسسات الحكومية وغيرها هوغياب الوعي وتفكك منظومة القيم وانعدام المُساءلة والمحاسبة من الجهات الرقابية تجاه مَنْ لم يُراعِ حقّتلك المسؤولية. فضلاً عن غياب الدور الرقابي للأسرة التي باتت نهجًا لأسر حال بناتها ومنحهن حريةً غير مسؤولةٍ تقودهن إلى سلوكياتٍ خاطئةٍ.

مثل هؤلاء لا تنفع معهم إلاالقوة ،فلو جلس العلماء والدعاة ليل نهار يتحدثون عن قيمة الأخلاق ما أخجلوا فاسدًا من دون قوة الحاكم التي توقف كلّإنسانٍ عند حدّه. ولو كفّت الكلمات ما شرّع الله -سبحانه وتعالى- الحدود والعقوبات. عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قال: (( إنَّ الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)). وقال الله تعالى: (( يخشونَ الناسَ كخشيةِ اللهِ أو أشدَّ خشيةً)).

وهذا من واجب الجهات المسؤولة لتنقية البيئة الأخلاقية ممّا علق بها من أدران لذا؛ يجب وضع حدّ لهذه الظواهر الشاذة. ووضع لوائح تحدّد صفات اللباس المهني اللائق وضرورة أنْ يعكس مظهرها صورةً مشرقةً لمكانة المؤسسة التي تعمل بها. وسنّ قواعد تفرض عقوباتٍ على مَنْ يرتدين ملابس مخلةً بالآداب؛حفاضًا على الآداب العامة وهيبة ومكانة المؤسسات الحكومية. كي تكون أجواء الوظيفة مهيأة للعمل وليس مكانًا لعرض الأزياء وإقامة علاقاتٍ غير نظيفةٍ.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى