اعلاناتكلمة العددمقالات

بلدي بلد التناقضات من القمة الى هجرة العقول الى الجنون بإستقبال رمضان و شلته التعبانه

#الشبكة_مباشر_بروكسل_ د. عصام البدري رئيس التحرير

حتى عهد قريب و نحن كنا في زمنه كان العراق في مقدمة البلدان في المنطقة و العالم و في جميع المجالات كالعلم و الأدب و الفن و حتى الرقص عدا التاريخ الذي لن ينافسه أحد حتى أصبح أخطر بلد في العالم،

ففي سبعينيات القرن الماضي لا الحصر بل على سبيل المثال أحرز العراق تقدما كبيرآ بعد الحملات الوطنية الرسمية و الشعبية للقضاء على الأمية حتى أعلنت منظمة الأمم المتحدة اليونسكو خلو العراق من الأميّة، وقدمت له 5 جوائز عام 1979، بعد أن استطاع خفض نسبة الأمية دون 10% ليكون العراق اول الدول العربية و الشرق الأوسط الذي يقضي على آفة الأمية بين أوساط الشعب كافة من الشمال الى الجنوب.

لا بد ان نشير الى التوسع في التعليم الأولي حين كان التعليم إلزاميآ بل يعاقب من يتخلف عن إلحاق ابنائه في المدارس وانتشرت مراكز محو الامية في جميع أنحاء العراق.

و كان النظام التعليمي في العراق يعد من أفضل الأنظمة في المنطقة العربية و الشرق الأوسط و العالم و كان مجاني و الزامي و ارتفع معدل الألتحاق الأجمالي أكثر من 100%..

و بعد الأحتلال الأميركي بدأ العد التنازلي بكافة النواحي و صلت الى التعليم و النسيج الأجتماعي و الثقافي و الصناعي و الزراعي و أفضعها كانت أعمال القتل الطائفية في أوجها قبل 15 عامآ ، وكان يتم قتل مائة شخص في المعدل كل يوم، و يتم استهداف الشبان بشكل خاص، وفي بعض الأحيان يتم وشمهم برمز صغير حتى يتمكن ذووهم من التعرف على هويتهم حتى لو كانت وجوههم مشوهة و وصلت التجاوزات و الفضائع إلى حد بعيد بقتل و تهجير العلماء و أصحاب الكفاءات في كافة نواحي الحياة و فرض التجهيل المقدس بدل عنها و تسويق الثقافات الغريبة على أصل ثقافة الشعب العراقي.

الآن و بعد سنوات من العنف والموت يشهد العراق إقبالآ على الحياة و بعد أن أنسحبت القوات القتالية الأميركية و نهاية الحرب و التوجه الى صناديق الإقتراع على أن يكون نموذج الديمقراطية العربية الجديدة وبعد توقف الحرب بين المكونات للأسف و الذي أفتعلتها أمريكا و أيران بدأت مسيرة الحكم المحاصصي و العرقي و الطائفي و بدأت الميليشيات المسلحة و الأحزاب التي تعدت ال200 حزب سياسي رسمي بعد أن كان حزب واحد قائد لبلد واحد من زاخو الى الفاو.

الانتخابات الأخيرة التي جرت في العاشر من أكتوبر 2021 و ما سميت بالمبكرة و الأستثنائية فقد أعلنت مفوضية الانتخابات العراقية رسميآ مشاركة 27 تحالفآ في الانتخابات، تضم 235 حزبًا سياسيًّا و عدد سكان العراق نحو 40 مليونا، ويحق لـ25 مليونا و139 ألفا و375 منهم المشاركة مع هذه الأعداد الغير طبيعية من الأحزاب و لحد الأن لم تعلن و ربما لم تعلن بسبب رفض أحزاب لديها قوة السلاح و الميليشيات و التي تفترض تحت القانون و أي قانون لا أدري.

و من المعروف أن أكثر من 32 فصيل مسلح رسمي في البلد الديمقراطي تفرض ما تريده و تتحدى و تهدد بعضها حتى أعلى سلطة تنفيذية في البلاد و جميعها من مكون واحد فقط لأن أي فصيل مسلح من مكون آخر ينعت بالأرهاب علمآ بأن أكثرهذه الفصائل تعلن و لآئها علنآ الى بلد آخر و حتى تمويلها منه .

أما التعليم في البلد حدث و لا حرج
فبعد أن كان في العراق عدد الجامعات معروف و حكومي بعدد المدن الرئيسية كبغداد و الموصل و البصرة و التكنلوجيا و معترف بها دوليآ و يضاهي مستواها مستوى الجامعات الراقية في العالم و حاليآ خريجيها هم رؤساء جامعات و عمداء كليات و أستاذة جامعات و مدراء مؤسسات و رؤساء منظمات دولية معتمد عليهم في دول العالم المختلفة و مستواها في التقييم العالمي و تصنيفاته المختلف بمرتبات متقدمة.

و حتى تصميم أبنية الجامعات كان بتصاميم عالمية فمثلآ جامعة بغداد على سبيل المثال الذي يضم رئاسة الجامعة فقد صممه المهندسون والتر غروبيوس وروبرت ماكميلان ولويس ماكميلن في شركة آركيتكت مولابوريتف العالمية المعروفة.

و الان فقد بلغ عدد الجامعات في العراق أكثرمن 35 جامعة حكومية و45 جامعة وكلية أهلية، وأكاديمية واحدة للشرطة. بإجمالي تجاوز 85 جامعة وأكاديمية تعمل داخل العراق، إلى جانب جامعة تابعة إلى وزارة الدفاع وأخرى تابعة إلى وزارة الداخلية وجامعتين تابعتين لكل من الوقف السني والوقف الشيعي و هنا الكارثة حتى البناء طائفي على مستوى عالي لا بل و برعاية رسمية.

علمآ بأن التعليم أصبح خارج التصنيف الدولي للأسف و خارج تصنيف جودة التعليم 2021 بحسب مؤشر دافوس.

أما الصناعة فهي كارثة بعينها فأن أكثر من 18 ألف مشروع صناعي ألفا و167 مشروعا صناعيا كان قائم و منتج 100 % بالعراق متوقفة الان عن العمل لأسباب مختلفة، بعد أن كان القطاع الصناعي يشكل 23% من حجم الناتج المحلي الإجمالي قبل عام و 2003.

الأغرب بأن جميع الكوادر فيها فقط يستلمون رواتب و بعض من المصانع الكبرى فكك و و سرقت و بيعت مكوناته بيعآ أمام أعين الدولة و الناس و العالم و لا أذكر غير مصفى بيجي الشهير.
و يبلغ العدد الكلي للمصانع التابعة لشركات القطاع العام فقط في العراق نحو 227، وتبلغ أعداد العاملة منها 140 فقط بحسب بيانات وزارة الصناعة والمعادن الرسمية.

ووفقا لتلك البيانات فإن نحو 18 متوقفة عن العمل لأسباب مختلفة. وكان القطاع الصناعي يشكل نحو 23% من حجم الناتج المحلي الإجمالي للعراق قبل عام 2003.
وتشير كل البيانات الحكومية إلى أن البلد كان مزدهرآ صناعيا في عقود الثمانايت و السبعينيات والستينيات والخمسينيات بل وحتى أربعينيات القرن الماضي، وكان حجم إنتاج القطاع الصناعي يلبي حاجة السوق المحلية فضلا عن التصدير إلى الخارج.

و كانت المصانع الكبرى الحكومية عبارة عن مدن متكاملة سكنيآ و تسويقيآ معروفة لجميع العراقيين كمجمع الفوسفات و مجمع الدور و مصفى بيجي و الدورة ووو.

أما الزراعة فالعراق بلد زراعي أصلا قبل أن يكون بلدا نفطيا لكن مازال قطاع الزراعة في العراق يعاني من الإهمال والتراجع ،والانحسار المستمر في الاراضي الصالحة للزراعة ، ولم تقدم الحكومات المتعاقبة بعد 2003 المشاريع الحقيقة لتنمية القطاع الزراعي، بل اهدرت الاموال ولم تعمل على تطوير هذا القطاع الحيوي، لكن العراق اليوم بحاجة ماسة لاستغلال موارده وفي مقدمتها الزراعة ليتمكن من تجاوز الأزمة التي تعصف باقتصاده ، وليتمكن من بناء ما حطمته السنين، لان استمرار هذا الاهمال سيؤدي إلى عواقب سلبية على العراق.

ربما محدودية المياه نتيجة تجاوزات دول الجوار بسبب ضعف هيبة الدولة العراقية تفرض على العراق وكذلك سيطرة ايران على كل المنافذ الاروائية للأنهر العراقية التي مصدر أغلب مياهها ايران وسد منافذ هور الحويزة في ميسان ادى الى جفاف الاراضي وهجرة السكان وكذلك ضعف الخطة الاروائية في توزيع الحصص المائية على الفلاحين.

و ارتفاع نسبة ملوحة الاراضي نتيجة شحة المياه وتلوثها بسبب قطع ايران لمياه الانهر والروافد والجداول الواردة من ايران وكذلك من نهر الكارون الايراني المياه الملوثة في شط العرب .
و الأهم هو الفساد الإداري و غياب الخطط والاستراتيجيات الزراعية وعدم اهتمام القائمين على هذا الملف وعدم خبرة المسئولين.

حيث يمثل الفساد المالي والإداري أحد أبرز مرتكزات النظام الجديد التي يعاني منها العراق خلال العقدين الماضيين، حيث تسبب الفساد بهدر المليارات من الدولارات التي كان يفترض أن تشكل عماد الاقتصاد العراقي، فيما تذهب عشرات المليارات سنوياً إلى فاسدين ومتنفذين حزبيين وميليشيات مسلحة.

وتقف العديد من العقبات في طريق إمكانية إنهاء ظاهرة الفساد في البلاد، لعل أبرزها استفادة قادة سياسيين بارزين وميليشيات مسلحة من هذا النشاط المالي الكبير، فضلاً عن غياب آليات الرقابة ونظام المحاصصة الذي أسس وفقه النظام السياسي في العراق ما بعد عام 2003.

وعلى الرغم من تفشي الفساد في الدولة العراقية والاتهامات الواسعة التي تطال العديد من الكتل والأحزاب السياسية البارزة على الساحة العراقية، إلا أن عنوان الكاذب المرفوع من الجميع هو
“الإصلاح ومكافحة الفساد” لا يزال يتصدر عناوين الدعايات الانتخابية للقوائم الرئيسة المتنافسة.

و يبقى مصدر دخل العراق الأساس هو النفط فهو يحتلّ المركز الخامس عالمياً باحتياطي نفط يبلغ 148 ملياراً و800 ألف برميل، وهو ثاني أكبر بلد منتج للنفط الخام في منظمة البلدان المصدرة للبترول “أوبك” بعد السعودية، بمتوسط إنتاج يبلغ 4.6 ملايين برميل يومياً في الظروف الطبيعية، وهو يعتمد على إيراداته لتمويل ما يصل إلى 95% من نفقات الدولة، ويخطط للوصول إلى إنتاج 8 ملايين برميل يومياً خلال العقدين المقبلين.

ويعدّ النفط المحرّك الرئيس لأغلب نشاطات العراق الاقتصادية إنتاجياً وتجارياً ومالياً، وهو بطبيعة الحال يتأثر بالأزمات الاقتصادية وتعثر أسواق النفط عالمياً، كما حصل مؤخراً بفعل جائحة كورونا، التي أدت إلى تدهور أسعار النفط في العالم.

أما المشهد الثقافي ربما نشهد تفوّق الأدب وتراجع الفن و قد يكون شارع المتنبي هو المكان الثقافي الوحيد الذي يستمر ويُنتج ويأتي بالجديد دائماً، وقد تحول إلى مكان سياحي/ ثقافي
تشيع فيه فقرات أدبية وجمالية كثيرة.

يعتبر العراق مثالآ للبلد الذي عانى ومازال تأثيرات الحروب المتتالية والانقسامات ما خلّف واقعا عراقيا بات مادة فنية هامة خاصة للكتاب العراقيين و أظهرت للأمانة معها الكثير من الأسماء الشعرية والروائية والقصصية عبر السنين بعد 2003 من الانفتاح على العالم الخارجي.

و المثقف العراقي يعاني ويعيش تحت وطأة الفقر والحاجة و لا نستغرب أن يكون المثقف في مواجهة وصراع مع الحياة . لان واقعه الذي يعيشه مرير ، لكن الذي يؤلمنا هو أن الدولة لا تساندهم.

و حتى فعاليات مهرجانات رئيسة كبغداد عاصمة للثقافة العربية و مهرجانات بابل و غيرها لم تتمكن من إنقاذ الوضع الثقافي و الفني في العراق من الركود الذي يعيشه، بل كرست ابتعاد الثقافة الرسمية عن المثقفين وعن الشارع والحراك الثقافي.

و لم تعد الأعمال الفنية التي تنجز في بغداد تنطوي على حساسية جمالية وديعة وشغوفة بالحياة و الفنان العراقي يقاوم بالضد من حياة مغايرة في بلده، حاشدة بالمحاربة للفن الهادف في مفاصل الحياة اليومية والمعيشية و ربما سطوة ميليشيات مسلّحة تعدّ الفن ممارسة محرمة ومحظورة، وغياب حياة آمنة.

و الفنان العراقي الملتزم يشهد واقعا معيشيا صعبآ، وانحسارا لقاعات العرض الفنية، مع غياب سوق الفن الأصيل و الهادف وشحة فرص اقتناء وتداول العمل الفني من قبل جهات راعية ملتزمة وكذلك لا أثر لبرنامج حكومي واضح بهذا المجال.

ومن عام 2008 جرى ترخيص الملاهي والبارات والمراقص وانتشرت الملاهي الليلية والبارات بكثرة في أربع مناطق رئيسة ببغداد، هي المنصور في جانب الكرخ من بغداد، والكرادة والعرصات وأبو نواس بجانب الرصافة من العاصمة العراقية و تقدم معظمها راقصات مثيرات وموسيقى متنوعة ومشروبات كحولية بوفرة، في قاطع الكرادة وحدها 72 ملهى ونادي القسم الاكبر منها في وسط المناطق السكنية، وأصبحت تضاهي إن لم تتفوق على دول رائدة في هذا المجال بعينها، اكثرها ملكا لكبار الساسة من الإسلاميين و ربما رجال دين وبعض من النواب والضباط، اغلبها لا تخضع للرقابة الصحية والقانونية مما جعلها تشهد الكثير من التجاوزات القانونية والصحية والاجتماعية، ومن روادها عشرات المراهقين والقاصرين و الشاذين جنسيآ الذين هم بإزدياد غريب في مجتمع يفترض إسلامي ويشكلون زخما عليها بتواجدهم في منتصف الليالي، يتعاطون حبوب الهلوسة والمخدرات..

هذه الصور وتجلياتها تظهر بوضوح في بغداد التي ظلت إلى وقت قريب عاصمة العلم والثقافة والفن والأدب والأصالة، عاصمة الأدباء والعلماء،

ونحن نسمع من رجل الأمن الاول في الدولة وهو يعلن ان نصف مجتمعنا يتعاطى المخدرات والنصف الآخر تهدده مافيات وجيوش المتعاطين في مواجهة مفتوحة وحرب جديدة تقودها دول ومافيات دولية ضد الشعب العراقي.

فقد كان تصريح صريح جدآ من وزير الداخلية بخصوص انتشار المخدرات بنصف المجتمع هو اعلان حكومي واضح عن الفشل في مواجهة الهجمة الاكثر فتكاً بالعراق اجتماعياً وامنياً واقتصادياً.

و هذه الأيام نسمع كثيرآ هذا الهوس من إستقدام فنانات و فنانين لأقامة الحفلات الغنائية و بميزانيات بعضها خيالية في الوقت الدولة تعلن عن تقشف و وقف التعيينات و كثرة مستوى البطالة و التضخم.

لا نعترض على تواجد فنانيين محترميين عرب الى بغداد الحضارة و لكن هوس أستقدامهم في ظروف صعبة للبلاد هو من يثير التساؤلات و في حكم الأحزاب التي تسمي نفسها إسلامية
و منهم من يمنع في بلادهم من الغناء كمحمد رمضان وفي العراق تفتح لهم الميزانيات و القيود الأخلاقية و يدخلون للمسرح بفيراري و بصور غير أخلاقية غير محترمة للذوق العام و غريبة عن ثقافة و مجد و إرث بغدادتنا الجميلة و الراقية.

فقد أعلن نقيب الموسيقيين في مصر الفنان الكبير هاني شاكر، إحالة الفنان محمد رمضان للتحقيق، وعدم منحه تصاريح لإقامة حفلات داخل مصرلعدم الالتزام بالآداب والتقاليد العامة وارتداء الملابس و ها هو يغني وسط بغداد عاري الصدر و بأغاني تافهة جدآ لا تليق أبدآ بالذوق العام و يهدى له بل ترمى له على المسرح هدايا ساعات ثمينة مما يعطي إنطباعآ بمدى الأستخفاف بهذا الفن الراقي و قلة الذوق العام و إنحدار واضح بمستوى ما يريدونه للفن في العراق وكما منع في بلده مع عشرات ما يسمى مغنيين و بالتاكيد لا يليق به مثل هذه النماذج أن يكون في بغداد و لكن أعتقد هذا ما يريده البعض ضمن منهج مقرر و لن نسكت على هذه الأفعال و إن كنا بعيدين عن وطننا الغالي و هذه رسالة وفاء.

بروكسل 22 ديسمبر 2021
د.عصام البدري
رئيس تحرير الشبكة مباشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى