أدب وفن

قراءة نقدية في ديوان ” بيلسان ملفت ” للشاعر مهدي غلاّب بقلم الكاتبة خيرة الساكت..تونس

الشبكة مباشر .


قراءة نقدية في ديوان ” بيلسان ملفت ”
للشاعر مهدي غلاّب
بقلم الكاتبة خيرة الساكت


حوارية المبنى و المعنى من انعتاق الحرف إلى انبثاق الصور ===
* مقدمة
خُلِقَ الإيقاع قبل نشأة الكون و أعلن عن نفسه مع الانفجار العظيم .
مع قدومنا للحياة وجدنا أن الإيقاع يتحكّم في كل ما يحيط بنا فكان لزاما علينا أن نلبي نداء هذه الموسيقى الكونية .
هكذا هي كتابة الشعر تلبية لنداء الكون و الإيقاع
و إعلان عن وجودنا و هويتنا .
هويّة الشاعر شعره و هي هويّة خاصّة تخضع لعوامل مميّزة و متفرّدة و في علاقة بالشاعر و نشأته و ما اكتسب من خلال تجاربه و قراءاته التي حدّدت ميولاته .
* توطئة
تعدّدت النظريات النقدية التي اعتمدها النقّاد في تناولهم للنصوص منها :
– النظرية البنيوية و التي تهتمّ بالشكل اللغوي للنص و تركّز على الأخطاء اللغوية و التعبيرية
– النظرية التفكيكية و تركز على محتوى النص و ترى بأنّ النصّ يمثل بنية لغوية تضمّ في طيّاتها معان و أغراض قابلة لتأويلات عديدة .
– النظرية السيميائية و التي اعتمدتها في قراءتي لديوان بيلسان ملفت
إذ تعتبر أنّ النصّ المنشور ملك للمتلقي ( القرّاء و النقّاد ) يفسره و يأوّله حسب مخزونه المعرفي و الفكري و ثقافته و درجة وعيه .
طبعا مع وجوب توفر خصائص أساسية في النصّ أبرزها الانسجام و الاتّساق
و التناصّ …
أن نهتم بعمل أدبي في الفترة الحديثة يعني أن نتعامل معه من زاوية مادية بحتة تنحصر في الأساليب اللغوية أي الحديث عن الإبداع اللغوي
و الاهتمام به أكثر من أي جانب اخر للنص في حين أن للإبداع جوانب كثيرة أبرزها الجانب الروحي
و الأخلاقي و ما يحمله النص من رسائل و قيم و فكر و إعلاء لشأن الانسان و الحياة .
فقيمة الأدب في مضمونه و شكله و لا يجب إهمال أي جانب .
إن للعملية الإبداعية طرفان ؛ الكاتب بإبداعه في التعبير و ولادة النص و الناقد بإبداعه في الغوص في أعماق النصّ لاستخراج درره و إبراز القيمة الأدبية
و الإنسانية للعمل ككل .
تبقى هذه العلاقة رفيعة جدا لحرص كلا الطرفين على الإضافة للمشهد الإبداعي الإنساني .
* تعريف بالكاتب
مهدي غلاب شاعر قاصّ قصّاد و فنان تشكيلي .
أستاذ اللغة العربية لغير النّاطقين بها بباريس .
يدرس تاريخ الفنون و أثريات المعرفة بجامعة السربون .
صدر له ” أكتب حتى لا أموت ” ( قصص/ 2012 )
” أشتكي …للقمر ؟ ” ( أقصودة 2016 )
” منازل الوجدان ” ( شعر عمودي 2018 )
* بيلسان ملفت شكلا
– هو ديوان شعر ( قصائد عمودية ) صادر عن دار الثقافية للطباعة و النشر و التوزيع في سنة 2020 تضمن 24 قصيدة و أقصودة في نهاية الكتاب الذي احتوى 105 صفحات .

-العنوان بيلسان ملفت
و البيلسان هو نوع من النبات المعمّر الذي يستخرج منه البخور و العطور
و يستعمل كعلاجات طبية .
و العنوان هنا ورد مركبا نعتيا يلفت انتباه القارئ منذ البداية و يخلق فيه رغبة لاكتشاف محتوى الكتاب .
نفتح الديوان نجد أنفسنا أمام تقديم كتبه الكاتب الكبير ابراهيم الدرغوثي و الذي ثمّن موهبة شاعرنا
و أثنى على أسلوبه في الكتابة و توجّهه نحو الشعر العمودي . ثم بعد ذلك نجد مقدمة الكاتب الذي وصف كتابه ب “فرصة للتعاطي و التقارب مع الأحباب من خلال هذا النسيج الحروفي المتوازن ”
و هو لعمري رسالة عطرة للقارئ و جسر أدبيّ مميّز بين الشاعر و القارئ .
لشعر مهدي غلاب عطر ملفت هذا ما اكتشفته عند مصافحتي لحرفه .
شعر عمودي مقفّى في زمن قفز فيه الكثير من الكتّاب في بحر من النثر الشعري يسمى ” الشعر الحر ” للهروب من القافية و الوزن .
نجد شاعرنا يكتب الشعر العمودي بتمكّن و حرفيّة
و قدرة كبيرة على تطويع قصائده لخدمة القضايا المعاصرة فكان الإبداع إبداعان ؛ إبداع الصورة الشعرية و إبداع الإيقاع .
* الإيقاع الشعري
انتظمت القصائد على كامل الديوان بطريقة ذكيّة
و مشوّقة و يبدو أن الشاعر حرص على ذلك عند تجميعه للنصوص لنشرها .
الإيقاع نوعان ؛
– داخلي و هو ذلك النغم الخفيّ الذي نشعر به عند القراءة أو إلقاء النص الشعري سواء أن كان سعادة أو حزنا أو كآبة أو حماسا …و ذلك راجع لحسن اختيار الشاعر لكلماته .
– خارجي و هو متعلق بالوزن و القافية و يظهر في جرس الكلمات و التفعيلات و هو ما يبدو جليّا عند شاعرنا الذي يستخدم عبارات فصيحة مناسبة لمواضيعه ممّا يحيل على ثقافته الواسعة و ثراء زاده اللغوي .
كانت الصور الشعرية مشرقة و متناسقة .
و تميّز الشاعر هنا بالتلاعب بالمفردات ليرسم صورا شعرية آسرة و لوحات بألوان مبتكرة كما في المقطع التالي من قصيدة ” مجانين الصبّار ”
يا بلدة فيها الرموش تثاقلت
فحص الطبيب فما أصاب علاجها
ليل الهوى ضاعت بداخله العيو
ن فلم تجد صدرا يضم فجاجها
و مضى السراب يسطّر العتبات في
الأنحاء يسلب مهجتي إنتاجها
كذلك المقطع التالي من قصيدة ” مجنون ثالجة ”
في معبر الكثبان نصعد تلّة
و النهر في مجراه ساق جفونها
لا الدّمع يشفي لا صدى قيثارتي
و الخمر لا تنسي الديار سجونها
من مثلها يأتي بمفخرة لنا ؟
تبني البلاد و تعتلي مخزونها
من علقم الأيام أسرد حبّها
داموسها السحريّ رام عيونها
شكرا لأن الليل لا نحتاجه
مادام شعري يستردّ شؤونها
* اللغة المستعملة
كانت لغة شاعرنا مهدي غلاب مبسّطة في آن و عميقة آن آخر و صعبة في محلاّت أخرى حيث تحتاج بعض المفردات إلى شرح و قد شرح ذلك في الهامش .
و هو ما يعكس تمكّن الشاعر هنا من اللغة و تطويعها لخدمة أغراضه الشعرية .
ولا يفوتنا التذكير بأنه قاصّ أيضا أي يعانق النثر
و السرد و الشعر و يمرّ بينهم بسلاسة .
أسلوبه بليغ عميق المعنى حيث تطالعنا قصائده كمعلّقات كتبت بماء الحرف الأنيق .
أمثلة على بساطة الأسلوب .
مقطع من قصيدة ” مفاصل الأقمار ” و قد تعلقت بمدينة باريس و تضمنت مدحا لها و إعجابا بالحياة فيها …الحياة التي لم تستطع محو الحنين رغم وصف الكاتب للشرق بالفرّاق
باريس جبتك ما استوفيت أشواقا
و العين يسلب منها النور أحداقا
أمشي بدربك و الساحات زاخرة
و الليل يعزف للأقمار ما راقا
أرتاد سانك و الأطيار تنشد لي
حلو الأغاني تزيد الذوق أذواقا
و هنا نلاحظ روعة الوصف و الصور الشعرية التي كوّنها شاعرنا عبر توظيف مفردات غاية في البساطة
و الرقّة .
أيضا مقطع أخر من قصيدة “أذناب الليل الموصول ” كورونيّات ”
تعرض فيها الشاعر إلى جائحة الكورونا و ما سببته من خوف و اضطراب في حياتنا ناهيك عن الأرواح التي حصدها هذا الفيروس اللّعين .
و الليل يلحقه النهار مسجّلا
فقد تتالى عاصف بحياتنا
و لقد خرجت من النّوافذ كلّها
رأسي بها و الجسم في مأساتنا
* درجة العمق و الانزياح نحو الواقع
يبدو جليا لأي قارئ مدى تمسك الشاعر بقضايا الأمة إذ نجده يكتب عن القدس في قصيدة ” مهبط الفرس ”
كنّا نزايد دوما في تباعدنا
لو جاء أمر تنافسنا على النفس
فالقدس تبقى ديار العزّة دائمة
و الملك يسقط بالغلمان و العسس
أيضا انعكست تجربة الاغتراب و الهجرة على التجربة الشعرية للكاتب و حضرت بقوة في قصائده مثل قصيدة ” قسمة الأسفار ” في المقطع التالي
بلادي رماني الدّهر و انقطع الصدى
أهيم بأرض لا تعانق وافدا
….
بشقرائهم غنوا و لست متيّما
بدت لي كتمثال على ‘السّان’ ضمّدا
….
أصاحب غربانا بكلّ حديقة
و أرقب نورا كان دفؤه جاحدا
الشاعر هنا يعبّر عن مأساة التّيه النفسي و عدم الاندماج لدى المهاجرين .
تظلّ النفوس معلّقة بالوطن و الحبيبة التي انطبعت صورتها في الروح منذ الطفولة .
و قد جسّد وقع ذلك في النفس البشريّة أي تأثير الواقع على التفاعلات النفسية لدى الانسان .
كما نجد بعض القصائد تحدّثت عن الوطن و مآثره
و تغنّت بمسقط الرأس كملحمة أسطورية .
قصيدة ” مطمور المتوسّط الملآن ” مثال حيّ على ذلك
و البحر يحضنها كحبّة لؤلؤ
ذابت بموجه فاستعاد قصائدا
إنّي بتونس أستعين بنورها
من بيت صيّاد أصفّ طرائدا
في شمسها يجري الهوان و يختفي
و الجود في الانسان ينعم سائدا
تجربة شاعرنا مميزة و فريدة و هي امتداد للقصيدة العربية و للمشهد الشعري العالمي
صور فنية معاصرة و إشارة لقضايا عصرنا
فالشاعر هنا على وعي كبير بقضايا أمّته
و ملتزم بها كما تجذّر وعيه بقضايا الانسان ككل إذ تناول تجارب مختلفة من الحياة
بأسلوب رقيق عذب عن طريق استدعاء الذكريات
و الشوق و الحنين أو استشراف المستقبل برؤية ثاقبة .
* ختاما
يبقى القول بأن شعر مهدي غلاب جسّد عمق التجربة الإنسانية .
أتمنى أن أكون قد وفقت في الكشف عن بعض ما يحمله هذا الديوان من درر شعرية
و لو أنّ بحر هذا الديوان عميق يضمّ في باطنه ثروة
و يتطلّب غوصا أعمق مما كتبته حوله .
بالتوفيق و التألق دائما لشاعرنا مهدي غلاب .
——-

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى