أخبار العائلة العربية في المهجرأدب وفنكلمة العدد

ستصدر قريبآ المجموعة القصصية ( المتحولون ) باللغة الانجليزية و الطبعة الثانية عربي للروائية وفاء عبد الرزّاق

#الشبكة_مباشر_لندن_وفاء عبدالرزاق

ما أصدق الإبداع حين تحتضنه القلوب.
قريبا ستصدر المجموعة القصصية ( المتحولون ) باللغة الانجليزية والطبعة الثانية عربي.
وإضافة إلى تقديم الأستاذ الدكتور” عواد الغزي” العراق،قدمت لها الدكتورة” أسماء غريب” دراسة وافية.
ترجمة الدكتور”رضوان الناجي” ليبيا.
لقد جمعت شملنا هذه المجموعة من العراق، إلى المغرب ، وايطاليا إلى ليبيا إلى الهند. فقد ترجم كلمة الدكتورة” اسماء غريب” الدكتور”Sk A Imaad”.
صورة الغلاف الجديد متروكة لأية مبادرة من الفنانين. الغلاف السابق للفنان العراقي”صبري المالكي”.
ملاحظة:
لقد صدرت سابقًا بإحدى اللغات الهندية.
الكتابة الّتي تشفي
قراءة في المجموعة القصصيّة (المتحوّلون) لـوفاء عبد الرزّاق

د. أسماء غريب

القُدْرة على التّخيُّل مَلَكةٌ ربّانيّة لا يُحْسِنُ استخدامَها إلّا من حظيَ بهِبَة التّأييدِ الإلهيّ: ولا شيءَ يحدثُ على أرضِ الواقع ما لمْ يمرَّ مِنْ مَمْلكَةِ الخيال، لذا فإنّ كلّ أمرٍ واقع، هو في البدءِ كان خيالاً! هذه حقيقة يجهلُ الإنسانُ لليومِ قيمتَها العظمى، فتراه يبخس كلَّ ما يصدرُ عن الخيال ويحسبه من توافه الأمور بما في ذلكَ ما يخطّه الأدباء في كتاباتهم الشِّعريّة والرّوائيّة أو القصصيّة والنّقديّة، أقول هذا وبين يديّ مجموعة قصصيّة بعنوان (المتحوّلون)، لصاحبتها د. وفاء عبد الرّزّاق، وفيها تظهرُ الأديبةُ روحاً تملكُ مُخيّلة على قدرٍ عالٍ من الخصوبة والعنفوان، وهو أمر لم يتحقّق لها لأنّها اطّلعتْ على الكثير من كتب الخيال وأدبيّاته، وإنّما لأنّها ورثتْ ذلك عن أمّها وأجدادها الأوائل مصداقاً لما قالته في الحكاية الثالثة من المجموعة القصصيّة: ((أهذه هي حديقة النّساء التي قرأت عنها في كتب الخيال؟ لم تقرأ في (ألف ليلة وليلة) ذلك، قرأته في كتاب مخيّلتها، لا أحد يعرفُ به، إنّه ملكها الخاصّ))، والملكيّة الخاصّة إمّا تُقْتَنى أو تُوهبُ أو تُورث، ووفاء ورثتْ، لا مملكة الخيال، فتلكَ وهبَها لها الرّحمن، وإنّما طريقة تفعيل الخيال وتحريكه وقَوْلَبته في أشكال تصبح قصائد وروايات تجد طريقها إلى مخيّلات القرّاء فتزداد بذلك خصوبة وتصبح أكثر فعاليّة إلى ما شاء الله. لكن كيف تُفَعِّلُ الأديبة وفاء مخيّلتَها، ومن أين لها بهذه المهارة في القيام بذلك؟!

إنّ من يقرأُ مجموعة (المتحوّلون) بقلبٍ مُحبٍّ، سيدركُ سريعاً أنّ هذا التّفعيل لم يكن ممكنًا لو لم تكن الأديبة من النّوع الّذي يملكُ عينًا بَرزخيّة رائيَة، أيْ عينًا تلجُ إلى العالم من أبوابه السِرّيّة، وهذا ما أكسبَها مهارة تحويل الكون إلى عددٍ لا متناهٍ من المرايا، وأوّلها تلك الّتي ظهرت في غرفة النّوم والتي كثيرًا ما تتحوّلُ إلى غرفة كتابةٍ وتدوين للخواطر والأشعار والروايات. ولأنّ الكتابة نوع من أنواع السِّحْر الشّافي بشهادة كبار علماء النّفس، فإنّ مرآة الغرفة تشرّبتْ بطاقة الحرف وأصبحتْ مرآةً سحريّة قادرةً على الكشف والبوح متى ما توفّرت لها الطّقوس الرّوحيّة لفعل ذلكَ، ولعلّ أوّل عناصر الطّقس هي حضور الوسيط بينها وبين العالم، الّذي ما هو في حقيقة الأمر سوى وفاء نفسها، التي ما إن تسمع نداء المرآة حتّى تقف أمامَها لتتَوغَّل عميقاً فيها باحثة عن هويّتها المستترة في بواطن الكون، أمّا العنصر الثّاني لطقس تفعيل المُخَيّلة، فهو تحضير بخور الحرف، وقد أبدعت الكاتبة حينما جعلت من القصائد سجائرَها العشرين، وذلك لتقول إنّها أعوام الاحتراق بنيران الأبجديّة الكونيّة، بل أعوام تطهير الذّات والنّفس وشفائها بحرق تكلّسات وترسّبات الزمن. وطقس التفعيل هذَا لم يكن ليكتمل لو لم يظهر في نسيجِ الكتابةِ العطرُ والفستان الأزرق وحليّ البرونز، وكلّ هذا يدلّ على أنّ الرّوح المُفَعِّلة للمخيّلة هي روحٌ علويّة لا سفليّة، فالعطرُ طِيبٌ يُهَدّئ الأحاسيسَ والقلبَ، واللّونُ الأزرق هو لون مملكة الخيال بامتياز، والبرونز معدن يشير إلى قوّة الكاتبة وصلابتها وقدرتها على إعلاء جدران سميكةٍ تحميها من تجسّداتِ شياطين الحرف مرسلةً عليها من الأعماق شواظاً من نارٍ ونحاس: نار هي نارُ احتراق الكتابة، ونحاس هو الكامن في طقم البرونز الّذي تزيّنت به بطلة الحكاية بدلاً من الفضّة لأنّها في هذه الحالة ليست لها نفس قوّة النّحاس ولا تنفع عند حدوث تحوّل البطلة إلى الكتابة باليد اليسرى ووضع العطر والسّاعة في اليد اليمنى. وهذا التحوّل قد حدث لأنّ مكانه القلب وليس العقل، ولأنّه كذلك احتاج لمعدن البرونز نظراً لقدرته على أن يصبح خزّانًا للصّوتِ وحاملاً ومذيعاً له في الفضاء، وهو ما أكسب الكاتبة مهارة اقتناص إيقاع النّغمات في الأثير لتصبح أخيراً هي نفسها الرّبابة وآلة العود والكيتار، كدلالة على هويّتها الحقيقيّة؛ عازفة على لوحة المفاتيح الحروفيّة، ومنشدة لأغنيّتها الأزلية رسالةَ مَحبّة للجميع.

قد يعترضُ قارئٌ ويقول إنّ الكاتبةَ لا تقصدُ نفسها وهذا أمر وارد، إلّا أنّ وفاء حفرت منذ بداية الصّفحات الأولى مدخلاً شعريّاً قالت فيه: ((لا أدري…/ ليس ثمّة ما يُدْهشُ / ليس ثمّة ما يخرجُ من أنايَ / ليمتثلَ أمامي / ربّما هو / أو مجرّد، ربّما / وفاء))، ثم بعد ذلك انتقلت مباشرة لرصّ الحكايات الواحدة تلو الأخرى وهي تتحدّث بصيغة الغائبِ وتُكرّر كثيراً ضمير (هيَ)، وهذا أمرٌ يُحْدِثُ بعضَ الإشكال التّأويليّ لمن دقّقَ النّظر في العتبة الشّعريّة الأولى وقرأ عبارة (ربّما هُو)، فلماذا التّذكير في البداية ثمّ التأنيث في متون الحكايات؟ وللجواب عن هذا السّؤال يحتاج الأمر إلى الكثير من الشّجاعة المعرفيّة لنقول إنّ وفاء تتدثّرُ برداء الانحجاب، وتلجأ إلى تقنيّة الرّاوي المتحدّث الغائب العليم بكلّ شيء، وتتركُ لذكاء القارئ أن يستشفَّ من بين السّطور أنّها تعني نفسها حينما اختارت لشخصيّاتها صفة الكاتبة الشّاعرة والقاصّة، وصفة الرّسّامة والعازفة، وحينما تحدّثت عن أمّها الشّاعرة في الحكاية الثّالثة. ومن يعرفُ وفاء سيظهر له جلّيّاً أنّها استمدّت من حياتها الشّخصيّة مادّتها الخام لنسج حكايات هذه المجموعة، ولكن ليس لتقول إنّها هي بطلة الحكايات، وإنّما (هو)، وقد تتساءل أنت بحرقة وتقول ومن يكون هُوَ؟ وهنا يأتينا الجواب الحلّاجيّ صريحاً يقول: “هو الّذي لا هو إلّا هو”. وكلّ تحوّل حدثَ في حكايات وفاء إنّما كان بحركة إلاهيّة الغرضُ منها شفاء الكاتبة من أسقام الحياة وخيبات التّجارب بطريقة فيها الكثير من الإبداع والإبهار والتّجديد، يكفي أن تقرأ على سبيل المثال لا الحصر الحكاية الثّالثة لترى كيف أنّ الطّبيعة أصبحت أمام عينيها مرآة وجوديّة رأت فيها بعينها البرزخيّة مقام المرأة في الحياة الرّاهنة: إنّها صخر متكلّس في حديقة فقدت يناعتها وخضرتها بسبب تسلّط عنصر الذّكورة وتمرّده في الكون. والحديقة اليابسة ما هي سوى رمز للفضاء الأرضي لهذا الكوكب، لكنّه فقد بهاءه بسبب اختلال التّوازن بين ما هو أنثوي وذكوريّ في النّسيج الحيّ للمجتمع الإنسانيّ.

ولمن يتساءلُ عن “الهُوَ” مرّة أخرى، أقول إنّكَ يمكن أن تلاحظ وجوده في الحكاية الرّابعة حينما تقول الكاتبة ((شخص ما هزَّ كتفها، تجاهلته، عاود الكرّة، تجاهلته، عاد دافئاً، وبقوّة اخترق عينيْها)). إنّهُ الهُو الإلهيّ المتحرّكِ في أعماقها، ولأنّ الكاتبة لها دربة كبيرة في التّعامل معه تجاهلتْه، إلّا أنّ قوة وعظمة طاقة الحبّ السّارية منه حولها جعلته يصل مباشرة إلى العينيْن ليُمكّنَ الأديبة من التحرّر من كلّ الطّاقات السلبيّة التي راكمتها عبر السنين، وفعل التحرّر هذا تجسّد عبر تحريك الأشياء المحيطة بها في غرفتها وتحليقها بانسيابية وهدوء ناعم في الهواء وهو الأمر الّذي لم يحدث حقيقة إلّا في الفلك الجوّانيّ لبطلة الحكاية بحيث أنّه أمر لا يراه شخص آخر سواها.

التحوّلات كثيرة في هذه المجموعة القصصية، والطّاقة المنتشرة عبرها هي طاقة حبّ وسلام، والكتابة عند الأديبة هي عمل شفائيّ وتخليصيّ محض يتخطّى حدود الفرديّة ليصل إلى قارئٍ، ربّما يجدُ بعض الشّبه بينه وبين عقل خصبٍ ومخيّلة لها من المهارات التي تحفّزه هو أيضاً على تفعيل خياله والانطلاق به نحو عوالم جديدة من الخلق والتّخليق الأخضر البهيّ، هناك حيثُ السكينة والطّمأنينة هما سيّدا الكتابات كلّها.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى