مقالات

كم من مبكوم فرض عليه البكم

#الشبكة_مباشر_طنجة_وفاء بن عبد القادر

الفتاة الجميلة، ذات الضفائر الصفراء، البشوشة، المشرقة حبا وعطاء، تصاحب التلميذات
داخل المدرسة و القسم، وتحصل دائما على أحسن النقط.نبيهة مجدة، حاضرة في جميع أنشطة
األندية المدرسية.
إنها وردة.وردة التي أصبحت ذابلة واصفرت أوراقها وتساقطت! لم ييق منها إال الهيكل !
وردة انقطعت عن الدراسة ألزيد من سنة.لم تعد تحب المدرسة وال أصدقاءها…هوايتها
الوحيدة والجديدة صارت: “قص األظافر”
والركون في زاوية من الغرفة لوحدها.
بعد إصرار األم عادت وردة لمتابعة دراستها .لحسن حظها معلمتها المفضلة سابقا هي من
ستدرسها هذه السنة.نقطة إيجابية كبداية جديدة بالنسبة لوردة. يوم تلو آخر ،تالحظ معلمتها بأن
سلوك وردة قد تغير.فبالرغم من جميع المحاوالت التشجيعية،والمبادرات الذاتية من أجل
الوصول بوردة لمستواها السابق يبقى كل ذلك بدون نتيجة.
وردة ال مبالية…وردة مهملة…وردة عدوانية…
ماذا حدث لوردة؟ ما الذي غيرها؟
تقرر المعلمة التدخل لمساعدة وردة التي تعزها كثيرا.
في فترة االستراحة، تطلب المعلمة من وردة عدم الخروج،وتغلق باب القسم،وتجلس إلى جانب
وردة،وبكل حب تقول لها:
“وردة عزيزتي ما بك؟”
فترد وردة بصخب:
” الشيء، دعوني أخرج”
تأخذ المعلمة بيدها بحنان ،وتقول لها:
” ال يمكن أن أتركك تخرجين وأنت في هذه الحال،تعرفين كم أحبك،وأنا جد متضايقة لما
يحدث لك ،اعلم أن هناك أمر معين،ولكنني ال أعرفه…حبيبتي، لذلك اخبريني ما يقلقك.يمكنني
مساعدتك…”
في هذه اللحظة ترتمي وردة في أحضان معلمتها :
” ال، ال يمكنك، ال يمكنك…”
فتجيبها المعلمة:” بال ،سأحاول،فقط أخبريني وال تحافي …”
فتنهال وردة بالبكاء قائلة:
” لهذا لم أكن أريد الرجوع للمدرسة…إن أخبرتك فسوف تخبرين أمي….” دموع عزيزة،
تنهمر حارة على خدود وردة،وردة الذابلة،وردة البائسة…
تعود إليها المعلمة لتأكد أنها لن تخبر أمها ولن تخبر أحدا، بل ستحاور أن تساعدها قدر
المستطاع.
تقترب وردة أكثر فأكثر من معلمتها واضعة رأسها الصغير فوق قلبها، ودموعها ال تتوقف،
وهنا تبدأ القصة…
مات الوالد، واضطرت األم مع أبنائها الخمسة لمغادرة السكن المأجور، لتستقر مع أمها، في
منزل كبير، يعيش فيه األخوال وأسرهم، والخاالت مع أبنائهن ، وأفراد من العائلة…
األم ال تتوفر على معيب، وليس لديها أي عمل، بل أبناؤها مازال ثالثة منها صغارا!!!
ليس لديها إذن إال هذا البيت، وهذه األم وهذه العائلة التي تحنو عليها وتضمن لها السقف
والقوت…وردة الجميلة يستدرجها أحد األقارب من هذا البيت العائلي .ثم يتمكن منها
،ويستغلها، ويهتك عرضها….ويهددها إن هي أخبرت شخصا آخر بأن يلقوا بها وبأسرتها في
الشارع…!
يستمر االبتزاز، واالستغالل، وفي أحد األيام، بعدما أصابت وردة وعكة صحية،أخبرت أمه
بما حدث.
في أول األمر استبعدت األم الفكرة بتاتا بحكم أن المدعى “جانيا “شخص متزوج،ووردة في
مقام ابنته،وهو قريبها الشرعي!!!
ولكن أمام إصرار وردة ،وتأكيدها للفعل ،بكت األم صامتة !
دموعها تحولت لدماء تغذي الروح الذي يحتاجه الخمسة أطفال..ماذا تفعل؟ ماذا تقول؟؟؟
قالت لوردة:” نامي يا ابنتي واصمتي،والصباح رباح”.
طبعا أم وردة لم تنم تلك الليلة، وصارت تضع برنامجا تلو آخر لتقوم بهدم كل البرامج
والمخططات…فتخلص للنتيجة التالية:
“صباح الخير عزيزتي، ال تخبري أحدا بما حدث، فليس لدينا مكانا لنعيش فيه ! لننتظر أن
نصبحوا كبارا،وأستطيع العمل وتحمل مسؤولياتنا.اآلن إذا قلت شيئا لن يصدقوك،وشوف
نطرد خارج المنزل.وال مأوى لنا غيه،وال من يغذينا! وال من يعتني بك وبإخوتك ،المدرسة،
المالبس،….أرجو حبيبتي الزمي الصمت.سوف تكبرين وتنسين ما حدث…”
فتصيح وردة:” ولكن أمي مازا ل الفعل مستمرا،ولن يتوقف إذا لم تتكلمي،أنت أمي دافعي
عني!!!”
فتعود األم لتقول:” ال أستطيع حمايتك منه،وال الدفاع عنك،هناك أربعة إخوة وأخوات
ينتظرون ! ما يمكن أن نقوم به هو عدم تركك وحدك.سو تكونين دائما إلى جانبي….”
فتقول لها وردة بكل يأس وأسف:” وأخواتي؟؟؟”
كم من مبكوم فرض عيه البكم واعتبره الناس أبكم ! لنتعمق داخل صفحات الحياة، ما يمثله
الوجه ليس إال ممرات الزقاق.فال نحكم ! ال نحكم! الناس معادن والمعدن قابل للتغيير حسب
الوسط البيئي، وأنواع التفاعالت الكيميائية…
إذن ال نساهم في صنع المبكوم!
األستاذة وفاء بن عبد القادر
مدربة، مرشدة اجتماعية ووسيطة أسرية.
رئيسة جمعية كرامة لتنمية المرأة بطنجة

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى