مقالات

مختصر تاريخ العراق الحديث …. كما رأيته… الكاتب أدهم إبراهيم – الجزء-3

#الشبكة_مباشر_لاهاي

  الجمهورية العربية المتحدة

كان حلم العرب منذ التحرر من السلطنة العثمانية إقامة دولة عربية واحدة تضم كل الدول العربية المتحررة، وكان أول مشروعٍ وحدوي هو (الجمهورية العربية المتحدة)، حيث اتفقت كل من سوريا ومصر في مطلع عام 1958 على قيام الوحدة بينهما في دولةٍ واحدة تحت اسم الجمهورية العربية المتحدة، برئاسة الزعيم المصري جمال عبد الناصر، بعد استقالة الرئيس السوري شكري القوتلي طوعًا، وقد قوبلت هذه الوحدة بترحيبٍ واسع من الجماهير العربية، واعتبرت نواة الوحدة الكاملة بين الدول العربية.
ونتيجة للترحيب الشعبي العربي بالجمهورية العربية المتحدة؛ اتفق العراق والأردن على تشكيل اتحاد كونفدرالي منافس، سُميَ بالاتحاد العربي أو الاتحاد الهاشمي العربي، وأعلن عنه رسميًّا في 14 شباط /فبراير 1958 .

  انفصال سوريا عن مصر

كرد فعلٍ لتأميم المشاريع السورية من قِبل جمال عبد الناصر ،دون استشارة الاقتصاديين السوريين، وسوء إدارة عبد الحميد السراج الحاكم الفعلي في سوريا، وكثرة الأخطاء التي رافقت الوحدة السورية المصرية؛ قام عبد الكريم النحلاوي ذا الميول الرأسمالية والإخوانية مع بعض الضباط السوريين بانقلابٍ عسكريٍّ في 28 أيلول/ سبتمبر 1961، انفصلت بموجبه سوريا عن مصر، وأعلن قيام الجمهورية العربية السورية المستقلة، وقد اعترفت كثير من الدول بالحكومة الانفصالية، وهكذا تم القضاء على حلم الوحدة العربية التي كان العرب يطمحون إليها منذ الحكم العثماني .

الفصل الأول

انقلاب أو ثورة 14 تموز 1958
اتفق كل من الزعيم عبد الكريم قاسم والعقيد عبد السلام محمد عارف على القيام بحركة انقلابية تطيح بالملكية وتشكيل الجمهورية ،وهما العنصران الأساسيان في حركة الضباط الأحرار المشكّلة من لفيفٍ من الضباط الوطنيين للتخلص من النظام الملكي.
تحرك اللواء العشرين باتجاه بغداد، وتمت السيطرة على معسكر الرشيد، واعتقل رئيس أركان الجيش الفريق الركن محمد رفيق عارف ،ثم تم احتلال قصر الرحاب حيث يقيم الملك فيصل الثاني، وولي عهده الأمير عبد الإله والعائلة المالكة كلها.
بعد إحكام السيطرة على المرافق المهمة في بغداد؛ توجهت قطعات الجيش إلى مبنى الإذاعة، فتم إلقاء البيان رقم واحد معلنًا إسقاط النظام الملكي وإعلان الجمهورية، وبعد سماع البيان الأول؛ خرجت الجماهير في كل مكان بمظاهرات تأييد ونصرة الثورة.
وفي قصر الرحاب تم الإعدام الفوري لكلٍّ من الملك فيصل الثاني، وولي العهد عبد الإله، وكل أفراد العائلة المالكة رغم استسلامهم ووقوفهم أمام بوابة القصر، وفي وقتٍ لاحق تم القبض على رئيس الوزراء السابق نوري سعيد، وتم سحله مع الوصي عبد الإله وعدد من المسؤولين في شوارع بغداد.
هذه الأحداث غيَّرت التاريخ العراقي على جميع المستويات وإلى يومنا الحاضر، وفي كل عام يختلف الشعب العراقي في ذكرى الانقلاب العسكري، وعما إذا كان مجرد انقلاب أم هو ثورة شعبية للإطاحة بالنظام الملكي، وإلى يومنا الحاضر تعج وسائل التواصل الاجتماعي بالغث والسمين عن هذه الحركة، فمنهم المؤيد أو المقدس لها، ومنهم الناقم عليها، وهناك الكثير ممن يتاسفون على اغتيال الملك وعائلته ،وهو أمر مؤسف حقًّا.
لكن مما لا شك فيه أن هذه الحركة -أو الانقلاب- قد طبعت العراق بحالة عدم الاستقرار، وحوّلت العراق إلى ساحة احتراب إلى يومنا الحاضر، وعلى الرغم من أنها كانت فعلًا نقطة فاصلة في تاريخ العراق الحديث.. إلا أننا نراها من منظورٍ آخر.

  خلافات داخل الثورة
لم تمضِ على الثورة سوى فترة وجيزة حتى بدأت الخلافات تدب بين قطبيها الرئيسيين: عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف، ويبدو أن عبد الكريم قاسم الذي أصبح رئيسًا للوزراء حاول الاستئثار بالسلطة ،فعمل على إبعاد عبد السلام عارف تحت ذريعة المؤامرة، حيث أذيع أن عبد السلام عارف حاول اغتيال رئيس الوزراء، فاُحيل عارف إلى المحكمة، وحكم عليه بالإعدام، إلا أن (الزعيم )وهي التسمية الجديدة لعبد الكريم قاسم قد خفف عنه العقوبة وبقيَ في السجن حتى أطلق سراحه في مطلع عام 1961 .

  محكمة الشعب أو محكمة المهداوي
بعد نجاح انقلاب أو ثورة تموز تم تأسيس محكمة باسم محكمة الشعب برئاسة العقيد فاضل عباس المهداوي (ابن خالة عبد الكريم قاسم) وهي محكمة عسكرية خاصة، وكان الغرض من تشكيلها محاكمة مسؤولي النظام الملكي. كانت جلساتها تُعقد في قاعة الشعب في منطقة باب المعظم، وكانت وقائعها تنقل عبر التلفاز، حتى أن كثير من العراقيين اشتروا أجهزة التلفاز لمشاهدة المحاكمات التي استمرت إلى حين سقوط النظام عام 1963.

وقد مثل أمام المحكمة التي سماها البعض في حينها بالمهزلة شخصيات سياسية وعسكرية مثل: توفيق السويدي، ومحمد فاضل الجمالي، وأحمد مختار بابان، ووزير الداخلية سعيد قزاز، الذي قال أمام المحكمة: «أنا أعرف أنكم ستصدرون حكم الإعدام عليّ، ولكنني عندما سأصعد المشنقة سأرى تحت أقدامي أناسًا لا يستحقون الحياة!»
كما مثّل أمام المحكمة رئيس أركان الجيش الفريق محمد رفيق عارف، والزعيم غازي الداغستاني، واللواء عمر علي، والعقيد عبد الجبار يونس، ومدير الأمن العام بهجة العطية، وعبد الرحمن السامرائي مدير الشرطة العام، وعبد الجبار فهمي متصرف بغداد، وتمت محاكمة عبد السلام عارف رفيق الزعيم عبد الكريم قاسم فيها أيضًا.

في وقتٍ لاحق تمت محاكمة البعثيين الذين تصدوا للزعيم في شارع الرشيد بقصد اغتياله مثل: إياد سعيد ثابت، وسمير عبد العزيز النجم، ولكنه أصدر أمرًا بإعفائهم من عقوبة الاعدام وزجوا في سجن كركوك.

كانت شخصية رئيس المحكمة فاضل المهداوي كوميدية أكثر منها رسمية، ولم تراع المحكمة أصول الضبط، ولا حقوق الإنسان، ولم تضمن حقوق المتهم، كما لم تكن حيادية، وكان رئيس المحكمة فاضل المهداوي يُلقي النكات والتعليقات المضحكة، ويحكي قصصًا ،ويُعلق على أحداث الساعة في العراق والعالم بطريقة ساخرة، وكان الحضور يلقون أبياتًا من الشعر، وهتافات وتعليقات بصوتٍ عالٍ، وقد أصبحت المحكمة كالسيرك، حتى أصبحت محكمة المهداوي أسوء مثال للمحاكمات في الوطن العربي.

منذ الأيام الأولى لانقلاب تموز برز تياران أحدهما قومي تزعّمه حزب البعث العربي الاشتراكي، والآخر يساري تزعّمه الحزب الشيوعي العراقي.
طالب التيار القومي وخصوصًا حزب البعث وحركة القوميين العرب بإقامة الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة، في حين طالب الحزب الشيوعي بالاتحاد الفدرالي، وقد تبنى عبد الكريم قاسم هذا التيار مؤكدًا في كل خطاباته على عبارة الجمهورية العراقية الخالدة!
ونتيجة لانفراد قاسم بالسلطة استقال الوزراء القوميون، وقد اعتمد على اليساريين والشيوعيين قبل أن ينقلب عليهم -ربما- خشيةً منهم.

  المقاومة الشعبية
في آب/ أغسطس 1958 أسس عبد الكريم قاسم ميليشيا مسلحة باسم «المقاومة الشعبية»، التي ارتبطت بوزارة الدفاع رسميًّا، فضمت أكثر من عشرة آلاف منتسبًا رجالًا ونساءً، ولم تمض فترة طويلة حتى سيطر الحزب الشيوعي عليها، وتنامت حتى أصبحت جزءًا من تنظيماته ،مع احتفاظها بصفتها الرسمية، وكان هدفها المعلن محاربة أعداء الثورة ،لكنها في الحقيقة عملت على تصفية خصوم الحزب الشيوعي، وكانت تحارب أي توجهٍ قومي عربي أو بعثي تحت شعار لا حرية لأعداء الشعب ،وأخذوا يطاردون العناصر البعثية والقومية في الشارع وهم يهتفون {عفلقي} نسبة إلى ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث، أو {رونتري} وهو مساعد وزير الخارجية الأمريكية الذي زار العراق في وقتها.

وقد تدخلت المقاومة الشعبية في كل شؤون الدولة والمجتمع، ونصبوا سيطرات في بعض الشوارع، ونتيجة لذلك سجلت عليها تجاوزات عديدة على الدولة والمواطنين الأبرياء تحت ذريعة حماية الجمهورية. وكان للمقاومة الشعبية نظام هرمي، ويلبس منتسبوها زيًّا عسكريًّا خاصًا.
أصبحت المقاومة الشعبية قوة ضاربة بيد الحزب الشيوعي مما أثارت حفيظة عبد الكريم قاسم، وتوجس خيفة منها، فأقدم على سحب سلاحها.
لقد كانت ممارسات المقاومة الشعبية السيئة نساءً ورجالًا تجاه المواطنين من أحد الأسباب التي أدت إلى سقوط نظام الحكم على يد البعثيين في 8 شباط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى