أدب وفنمقالات

جميلة – قصة من مدينة الأسرار مدينة بغداد بدأت أحداثها في نهاية الدولة العثمانية/ ح١

#الشبكة_مباشر_كولن_الكاتب بسام شكري

جميلة اسم على مسمى فهي امرأة جميلة , مبتسمة وسعيدة طول الوقت وكان اسعد يوم في حياتها حين جلبها اخوها الأكبر غير الشقيق احمد كمال مع اخوها اسعد

واثنين من اخواتها هم فريدة و فريال من الموصل الى بغداد لمساعدة والده في اعالة أبنائه من زوجاته الأربعة وذلك بداية الحرب العالمية الأولى عندما تعرض العراق للمجاعة

نتيجة لتلك الحرب وقد كانت جميلة صبية في العاشرة من عمرها وهي المولودة سنة 1895 في مدينة الموصل شمال غرب العراق وكان والد جميلة شيخا لإحدى الطرق

الصوفية في الموصل وقد اخذ ابنه الأكبر احمد كمال المولود سنة 1885 في مدينة الموصل من والده سر الطريقة منذ ان اصبح ضابطا في الجيش العثماني الى ان توفاه الله

سنة 1978 وبقي يحمل لقب الشيخ الى جانب رتبته العسكرية فيطلق عليه العقيد الشيخ احمد كمال بشكل رسمي حتى وهو في الجيش واسم احمد كمال هو اسم

مركب حيث كان شائعا في ذلك الزمن استعمال الأسماء المركبة مثل محمد خالد , محمد صالح , حكمت سليمان وهكذا , جميلة امرأة قوية وجهها شبه مدور بيضاء اللون

متوسطة الطول ممتلئة الجسم بعينين بلون ثمرة البلوط وشعر كثيف بلون بني غامق يتماوج على كتفها وقد اصبح اسودا فاحما مع تقدمها بالعمر بقيامها باستعمال الصبغ

الأسود بدون ان تراعي لون شعرها الاصلي كعادة النساء في تلك الايام , جميلة لم تتزوج لعدم حصول النصيب والنصيب هو كلمة عامة تستعمل في بغداد كثيرا لتبرير الكثير

من الأمور وعند وصول جميلة الى بغداد كان بيت اخيها الشيخ احمد كمال في محلة رأس الكنيسة المجاورة لعدة محاليل هي محلة السور ومحلة الطوب ومحلة البارودية

وكانت تلك المحلات هي مركز مدينة بغداد في تلك الفترة , والبغادة يستعملون كلمة محاليل لجمع كلمة محلة وقد سميت محلة راس الكنيسة بهذه التسمية لان هناك

كنيسة للأرمن الأرثدوكس في مدخل المحلة بناها ضابط المدفعية الأرمني كيورك نزريتيان الذي كان قائد مدفعية السلطان مراد الرابع الذي قام بتحرير العراق من الاحتلال

الصفوي ويطلق البغادة على ذلك الضابط الارمني اسم كوك نزار اختصارا لاسمه وقد سميت احدى المحاليل المجاورة لكنيسة الأرمن باسم محلة كوك نزر , والكنيسة مقدسة

عند كافة الطوائف المسيحية في العراق لان القائد نزريتيان جاء برفاة أربعين شهيدا من الجنود المسيحيين الذين استشهدوا في مدينة سبسطية في فلسطين وقد وضعت

في صندوق دفن في مشكاة الجدار الايسر للكنيسة قد تم اكتشافه سنة 1970 عند ترميم الكنيسة وكتب على الصندوق تاريخ 1639 ميلادية والكنيسة تحضي كذلك

بتقديس واحترام المسلمين والذي يزور الكنيسة على مر الازمان يرى عدد الزوار المسلمين اكثر من الزوار المسيحيين وذلك للتبرك بالكنيسة وما تحتويه من رفاة مقدسة

ومن طرائف الثقافة الشعبية العراقية انه في داخل الكنيسة هناك سلسلة حديدية يقوم بعض الزوار بربطها وسحبها بطريقة معينة لكي يعرف حظه من تحقيق امنيته معينة

في حياته فاذا انفتحت السلسلة يعني تحقق الامنية واذا لم تنفتح يعني ان الامنية لا يتحقق وتلك العادة اكتسبها الناس وتناقلوها كنوع من الفولكلور والاعتقاد الشعبي .

في سنة 1917 دخل الإنكليز الى بغداد بعد سلسلة معارك مع القوات العثمانية كان اشهرها سنة 1916 في معركة الكوت حيث تمت محاصرة الجيش البريطاني في مدينة

الكوت وانتصر العثمانيين انتصارا كبيرا لكن البريطانيين قاموا بإعادة تنظيم جيشهم وتغيير قيادة الجيش والمجيء بجيش من حكومة الهند الشرقية للمساعدة مستغلين

تساهل الجيش العثماني معهم وبعد سنة شنوا هجوما على بغداد فسقطت بأيديهم وانهزم الجيش العثماني وذلك في 11 اذار 1917, وانسحب الجيش العثماني من بغداد

مهزوما الى مدينة سامراء في البداية مع كافة السجلات العثمانية الخاصة بولاية بغداد ثم لاحقتهم الطائرات البريطانية وقصفت سامراء فانسحبوا الى مدينة الموصل وبعد ذلك

الى تركيا وبقي في العراق عدد قليل من ضباط ومراتب الجيش العثماني العراقيين الذين لم ينسحبوا مع الجيش العثماني ومن صادف ان كان خلال تلك الفترة من الضباط

والجنود العراقيين في داخل تركيا فقد بقي في تركيا واندمج بالأتراك ولم يرجع منهم الا القليل وكان اخ جميلة غير الشقيق الشيخ احمد كمال ضابط برتبة نقيب عند سقوط

بغداد بيد الإنكليز وكان يعمل في سلاح الخيالة الفرسان العثماني الذي كان يعتبر من اهم الأسلحة في تلك الفترة وقد بقي في بغداد عقب انسحاب العثمانيين بدون عمل

ولا مرتب حاله حال كل ضباط الجيش العثماني العراقيين الى ان تأسس العراق الحديث سنة 1921 على يد المغفور له الملك فيصل الأول فانضم الى مؤسسي الجيش

العراقي مع بقية الضباط العراقيين القادمين من الجيش العثماني في استخدام مهاراتهم السابقة في تنظيم الجيش الوطني الجديد واستقر به الحال في عمله الجديد وفي

نهاية 1929 تم اختياره ليكون قائدا للحرس الملكي نظرا لطوله الذي يبلغ المترين ورشاقته وخبرته السابقة في التعامل مع الولاة والسلاطين العثمانيين خلال خدمته في

حرب البلقان في سنة 1912 ومع تقدمه في الرتب العسكرية وقد توسعت بغداد وضاقت محلة راس الكنيسة بساكنيها وفي نهاية العشرينات بدأ ببناء بيت جديد في منطقة

العيواضية استغرق بنائه ثلاثة سنوات وكانت العيواضية التي يسميها البغادة العلوازية من الأماكن الراقية سكنتها نخبة من السياسيين والعسكريين وغيرهم من العلماء وذوي

الشأن في تلك الفترة , كان البيت كبيرا ومرتفعا عن الأرض بحوالي المترين ومساحته الفين وخمسمائة متر ويحتوي على حديقة امامية جميلة وحديقة خلفية وحدائق في

جانبيه وقد كان في الحديقة الامامية حوض لأسماك الزينة تحيط بها أشجار النارنج والبرتقال والتين ومدخل البيت يشبه القصور في ذلك الوقت فقد كانت الواجهة عبارة عن

قوس من نصف دائرة من مدرجات السلالم الحجري يحيط بالبيت من جهتي واجهته الامامية وفي الجانبين درجين يصعدان الى الطارمة الكبيرة بالتواء جميل كالأفعى عرض كل

درج متر ونصف محصور بين درابزين من الحديد المطلي باللون الأخضر وهو شبكة من النقوش النباتية من كلا الجانبين وقد تم تغليف مكان وضع الايدي للصاعد او النازل للدرج

بخشب لماع من النوع المقاوم للعوامل الجوية وقد رصت المنطقة الفارغة بين الدرجين الأيمن والايسر بعشرات من سنادين الزهور الفخارية الزاهية الألوان وبعد ذلك تأتي

طارمة واسعة في منتصفها باب خشب عملاق والطارمة عبارة عن مستطيل ناقص ضلع وعند تدخل البيت ستجد نفسك في كوليدور مستطيل يسميه البغادة مجاز او مابين

فيه باب غرفة ضيوف النساء على اليمين وباب غرفة ضيوف الرجال على اليسار وفي الامام شباكين مرتفعين في الجهتين بزجاج ملون جميل وبجانب كل شباك دولاب

خشبي باللون الأسود اللماع مفتوح نصف واجهته مرأة عرضها متر ونصفها الاخر لتعليق ملابس الضيوف وفي مدخل غرفة ضيوف الرجال قد وضع التلفون الأسود الثقيل على

رف دولاب ملابس الضيوف الرجال وتحته وضع دليل التلفونات وقد كان طراز البيوت في ذلك الزمن للمحافظة على خصوصية البيت وساكنيه بحيث لا يتمكن الزائر من رؤية

سكان البيت ويمكنه استعمال التلفون كذلك بدون الدخول الى داخل البيت وغرفتي الضيوف لهما بابين اخرين داخليتين تؤديان الى الصالة الرئيسية للبيت وفي وسط

الشباكين ذات الزجاج الملون باب خشبية سميكة وعريضة تسمى اوكروديون بفردتين متحركتين تتحركان بلولب في الاتجاهين ولا تحتوي على مقابض , نصفها العلوي عبارة

عن نجوم زجاجية مختلفة الألوان ونصفها الأسفل من الخشب الثقيل والداخل الى الصالة بمجرد ان يدفع جهة الباب سواء اليمنى او اليسرى تنفتح الباب على الصالة

الرئيسي للبيت وتلعب الشبابيك المرتفعة المكونة من شباك كبير فوقه شباك صغير يسمى كتيبة دورا كبيرا في دخول الإضاءة الطبيعية واشعة الشمس واما باب الكوليدور

ذات الزجاج الملون فهي تشكيل ديكورات ملونة تظهر يوميا على الجدران وارضيات الصالة المرصوفة بالكاشي الملون عندما تضرب اشعة الشمس الباب او الشبابيك الملونة

واذا ما دخل شخص وفتح احدى فردتي الباب فان الزخارف الزجاجية الملونة تعمل فلما متحركا قصيرا على جدران الصالة , الصالة الرئيسية ضخمة ومرتفعة السقوف مثمنة

الشكل فيها غرف النوم وسرداب ليس عميق بثلاثة او أربعة درجات يستعمل للنوم في الصيف وفي الجهة المقابلة للباب الملونة هناك باب عالية بفردتين تؤدي الى ممر

طويلة فيه حمامات والدرج المؤدي الى الطابق الاعلى وتحت الدرج وضع حب الفخار لماء الشرب والحب بكسر الحاء كلمة عراقية تعني الزير ويصنع من الفخار المشوي

ويستعمل لتبريد الماء ويغطى بقطعة قماش ابيض شفاف وتتدلى من احدى اذنيه مغرفة خشبية مطلب بمادة القار الأسود حماية لها من التلف بسبب وضعها في الماء

باستمرار وفي نهاية المجاز باب تؤدي الى الجناح الخلفي للبيت المكون طارمة كبيرة مرتفعة تستعمل للجلوس والتمتع بمنظر الحديقة او لمن يرغب في تناول الطعام فيها , و

المطبخ الرئيسي على جهة اليمين وغرفة الطعام الرئيسي على اليسار وفي الوسط سلالم تؤدي الى الحديقة الخلفية وفي بداية الحديقة المستطيلة الشكل على جهة

اليمين هناك حوض اسماك اخر وقد زرعت على طول سور الحديقة مع سور الجيران أشجار النخيل المرتفعة وتحتها أشجار الحمضيات وبعد الحمضيات وعلى طول اضلاع

الحديقة المستطيلة أنواع الزهور الدائمة والموسمية وبعد ذلك رصت حدود الحديقة مع المنطقة الوسطية الخضراء الوسطية بطابوق مقرنص وضعت بعده كذلك سنادين

مختلفة من الزهور والمساحة الخضراء في وسط الحديقة تزيد على ثلاثمئة متر واثاث الحديقة المصنوع من الحديد ليبقى في مكانه طول اشهر السنة وحول البيت حديقتين

مستطيلتين زرعت كذلك بالنخيل واشجار البرتقال والليمون الحامض والليمون الحلو والسندي والطرنج الأحمر والاصفر الذي كان يستعمل في صناعة المربى المرة التي كانت

تستعمل بكثرة في البيوت البغدادية .

المطبخ الرئيسي للبيت على اليمين يحتوي على أدوات الطبخ في دواليب من طابقين وعلى اليمين وضع الطباخ الرئيسي والفرن الكبير وعلى الأرض وضع طباخ صغير كانت

تستعمله فريدة شقيقة جميلة للطبخ عندما كبرت ولم تستطيع الوقوف فكانت تجلس على تختة خشبية على الأرض وتطبخ وقد تناثرت حولها اواني الطبخ بداخل المطبخ باب

تؤدي الى مجاز كوليدور وكان المجاز مستطيل الشكل نهايته على جهة اليسار تؤدي الى باب الحمام وكان ذلك المجاز فارغ الا من دولاب الحمام الخشبي المليء بأنواع

المناشف والصوابين واكياس وليف ومستلزمات الحمام , وحمام البيت في ذلك الزمن كان يتم تسخينه بواسطة الحطب في فتحة من خارج البيت وتكون أرضية الحمام مجوفة

حيث تصل النار الى اسفل الأرضية و بذلك تسخن أرضية الحمام ولا يمكن المشي عليها حفاة الا باستعمال القبقاب الخشبي وتقوم الحرارة التي تحت أرضية الحمام كذلك

بتسخين قزان الماء الكبير الذي يحتوي على حنفية الماء الحار النازلة من القزان وحنفية الماء البارد التي تأتي من خارج الحمام وتصب الحنفيتان في حوض من المرمر

البرتقالي السميك لخلط الماء وجعل حرارته مناسبة وكلما تم رش قليلا من الماء البارد على الأرض بواسطة طاسة الحمام كلما ارتفعت موجات من البخار الذي يجعل الرؤيا

داخل الحمام شبه معدومة, وكانت جميلة تسخن الحمام في يوم الخميس من الجهة الخلفية للبيت بواسطة الحطب ويبقى ساخنا لغاية مساء يوم الجمعة حيث كان تقليد

الاستحمام في ذلك الزمن يومي الخميس والجمعة , اما الجهة اليسرى من الجناح الخلفي للبيت كانت غرفة طعام الضيوف المستطيلة الشكل والفارغة من الاثاث سوى من

طاولة طعام مستطيلة بعشرة كراسي لكل جانب وثلاجتين كبيرتين نوع ويستنك هاوس وبوفيه خشبية بواجهة زجاجية كبيرة تحتوي على كل من يحتاجه الضيوف من اطباق

واواني الطعام بعدها كان هناك شباك خشبي جميل من الصاج الأسود لنقل الطعام الى من غرفة الطعام الصالة الرئيسية للبيت لكي يبقى ساخنا ودون المرور بممرات البيت

اذا ما رغب سكان البيت بتناول الطعام في وقت الشتاء في الصالة الرئيسية او في غرفهم , وعلى طول الغرفة من جهة الحديقة ستة شبابيك كبيرة, وفي الجهة المقابلة

للداخل من باب غرفة الطعام المستطيلة سيواجه بشباكين في الواجهة تطل على الحديقة الجانبية للبيت حيث اشجار الحمضيات المتنوعة وشجرة السدر العالية والتي كان

البغادة يعتقدون انها مسكونة بالجن و كان البيت يشبه قصور ذلك الزمن وقد ساهمت جميلة مع اختها الكبيرة فريدة في إدارة البيت الى جانب عدد من الخدم والعبيد

وسائسي الخيول وقد ترعرعت جميلة واكتسبت عادات وتقاليد بغداد وتكلمت باللهجة البغدادية لكن اختها الكبرى فريدة واخيها الأكبر اسعد لم يتمكنون من تعلم اللهجة

البغدادية وبقوا يتكلمون بلهجة موصلية الى ان توفاهم الله على التوالي في سنتي 1978 و 1979.

البقية في الحلقة القادمة

بسام شكري
Bassam343@yahoo.com

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى