أدب وفن

من رواية( أقصى الجنون الفراغُ يهذي ) وفاء عبد الرزاق

الشبكة مباشر

من رواية( أقصى الجنون الفراغُ يهذي )

وفاء عبد الرزاق
*
جدَّتي:
ألجأ إلى مراسلتكِ كمن يلجأ إلى رصيف عاصم من الخوف، أشعر أنّ في حلقي عصيراً من نبات الصبـَّار، بينما أشواكه راحت تخترق شفتيَّ…. كتبتُ لك حروفاً مبعثرةً أبحث من خلالها عن جملة مدهشة تروقك حين تقرئين رسالتي، لكني في كلّ مرّة أشعر بالتناقص شيئاً فشيئاً.
هل شعرتِ مرة أنكِ ستصبحين ضفدعة؟
لا تستغربي سؤالي… أو أنَّ الأطعمة بداخلكِ تتحول إلى جثة؟
أرجوكِ جدّتي، تقبـَّلي أسئلتي غير المألوفة ولا تتجاهليها أو تفسدي أيّة محاولة بيننا للتحاور.
صدّقيني جدّتي.. كلّ مرة أرى ضفادع تتعقّبني، تدخل داري، تأكل معي وتشرب بنفس القدح الذي أشرب به، حتى تـُحرِّك السُّكر بالشاي عوضاً عنـَّي… قد تقولين جُنـَّت حفيدتي، أعذركِ، لكنّي أقول الحقيقة، ذلك لأنّني لستُ مجنونة، بل جُنَّ أكبر الضفادع وراح يبصق على وجهي، يدخل أحشائي، ثم يخرج منها يبصق ويعود إلى مكانه. مع ذلك أجدني قادرة على الوقوف أمامك الآن وأشمَّ رائحة دمعكِ المنسكب على ورق رسالتي.
تخيـَّلي أنـَّي أسقط من نفسي حين تصارعني النقائض، فأراني داخل إطار لوحة “الجرنيكا”
ثم تأتي الضفادع تجرّني بقوّة من الإطار، تشدّني نحوها، وتأخذني إلى لوحة الضفادع.. نعم، حتى الزمن أراه يسقط من يدي حين تغيب النجوم عن سمائي وكأنّ الجميع يتجاهل غيابها… تصوّري جدّتي، أشعر أحياناً أنّني مجرّد ثقب أسوَد.
تخيـَّلي ، أنّ في داخل كلّ منـَّا ثقب أسوَد.
أظنـُّكِ في الورقة الأولى من الرسالة.
ثمّة كهولة تزحف على صباي.. ترتجف الطرقات تحت قدميّ، عيناي تصارعان دموعهما والحياة مجرد كوَّة نصفها زفير، والنصف الآخر ضياع .
بالرغم من تباعد الأصوات عنّي، كنت صاغرة لشيء جميل في داخلي، يخلع عليّ أسماءه ويدفعني كي أكون شيئاً رغم أنّه ليس عليّ أن أكون، وإنما قدري وما يريد.
لم أستطع الانفصال عمّا تركته، لأنّي في القراءة الصحيحة أعرف الأسماء، وأعرف وطني كمعرفتي بنفسي، وأعرف أنّ الماضي أكثر رأفة من المستقبل، إلاّ أنَّ جرياناً خفيفاً يتدفّق ويقودني إلى تلك البداية العارية فيشدّني نحوه بكاء طويل.
تنهدتُ، وبدت على وجهي علامة استفهام، فقد أخافني الذي يمشي على شفرة الدرب معي، يتتبع أثري ويقف صامتا ًيراقب الخسارة التي سأجنيها من بداية كأنها خفافيش ملتصقة بجلدي.
تباطأتُ، تعثّرت خطاي، ثم أثقلتُ المشي،ارتجفتُ، أحسستُ كأنّه متخفٍّ بين ضلوعي، توقفت فجأة، و بعد أن اجتزت الزّحام شعرت بالوهن وبأشرعة العرق تقود سفني، تدخلني حلمة حامضة، وتتحكم بمرارة الظمأ في ريقي .
كانت خطواته متشابكة مع خطواتي. يلاحقني حتى في تنفـّسي، إذ كدت أسمع لهاثه، وبمجرّد أن أقيس مسافة التفاتتي يختبئ كشبح. حين أشمّ رائحة خطواته العالقة بالتراب، تصبح كلّ الساعات عالقة بين جفوني كدموع متحجّرة.
كان الشارع مزدحماً بالمارَّة، نساء تزيـنَّ بأقراط وقلائد، وأُخريات محجّبات. رجال بملابس أنيقة، آخرون تقدّمت كروشهم فأعطتهم شكلاً مترهّلاً، حفاة ضائعون على الأرصفة، عجائز، صبية، بائعو الخضار والفاكهة، فتيات التصقن بالبنطلونات التصاقا ً فبدا الجينز كأنه خِـيـط على أجسادهنّ الرشيقة، أطفال على عتبات الدور، نصف نوافذ مفتوحة وأبواب وسِعت أغانيها، أغاني جورج وسُّوف تملأ المكان، بينما شاي المقاهي أشعرني بانتمائي لجسدي. أنا المتعبة التي تحمل أشياءها وتمضي إلى امرأة لا تعرفها، ربّما لها وجه تقرّحت ملامحه، أو قلب لا يخفق بدم.
بدا على جسدي الوهن، وذوى بتصبّب العرق الرائب عليه. أصغيت إلى الرقيب والصوت الذي بداخلي وهو يستفزّني ويشجّعني كي أكون قويّة رغم تخلّي الوجوه عني. تطلّعت إلى العناوين حاملة معي كلّ إثباتاتي الشخصية، حتى الوصل الذي حصلت عليه في الحدود، والذي سيكون صكّ براءتي عند دخولي بوابة النجاة.
تجولت بمخابئ الروح باحثة عن مكان آمن يقرأ شحوب ملامحي، تعثّرت في خطوتي عندما سألني خاطري عن اسمي، تهيّأ لي أنّي سمعت الصوت الذي يتتبـَّعني لكنّي لم أره، همستُ لنفسي:
– لا يصهركِ التهيؤ فقد عرفتِ منه الكفاية، إنك ستهلكين إذا لم تتصبَّري.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى