الاخباراوربيمقالات

19 مايو-آيار 1919 بداية تحرير و تأسيس تركيا الحديثة بقيادة مؤسسها مصطفى كمال أتاتورك

#الشبكة_مباشر_إسطنبول

يعد يوم 19 مايو/أيار 1919 أحد أبرز نقاط التحول في تاريخ تركيا الحديث، ونقطة البداية لحرب التحرر والاستقلال التركية التي قادها مؤسس الجمهورية التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك.
ما أن وطئت قدم أتاتورك ميناء مدينة سامسون حتى أعلن بدء الكفاح الوطني لمجابهة قوى الاستعمار الغربي المتمثلة بـ(بريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان وروسيا).

ومثلت عبارة أتاتورك الشهيرة “إما الاستقلال أو الموت” شعلة البداية لحرب التحرر والاستقلال التركية التي بدأت يوم 19 مايو/أيار 1919، وخلال السنوات الـ4 التالية حارب الشعب التركي ببسالة رافضاً الوصاية الغربية على بلاده، وقدم الغالي والنفيس من أجل نيل حريته واستقلاله، تُوجت هذه الجهود عام 1923 بإعلان الجمهورية التركية الحديثة.

وما أن وضعت حرب التحرر والاستقلال التركية أوزارها ومع إعلان قيام الجمهورية التركية الحديثة أهدى أتاتورك هذا العيد الوطني للشباب الأتراك، تقديراً لبطولاتهم بالدفاع عن وطنهم وتشجيعاً لهم للنهوض بالجمهورية التركية حديثة الولادة ودفعها إلى الأمام. وتحتفل الجمهورية التركية وجمهورية شمال قبرص التركية كل عام في 19 مايو/أيار بعيد “الشباب والرياضة وإحياء ذكرى أتاتورك”، فتعم الاحتفالات الحكومية والشعبية جميع المدن التركية، ومدينتَي سامسون وإسطنبول خصوصاً.

خسارة الدولة العثمانية للحرب العالمية الأولى

على الرغم من الضعف والوهن الذي كان يصيب الدولة العثمانية بداية القرن العشرين بسبب عدم الاستقرار السياسي وكثرة الانتفاضات من قبل الأقليات القومية فإنها قررت دخول صراع الحرب العالمية الأولى (1914-1918) إلى جانب الإمبراطورية الألمانية وحلفائها، مُشكِّلين سوياً ما يعرف بـ”قوات المحور” في مواجهة “قوات الحلفاء” المتمثلة ببريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية وحلفائهم.

وبعد إعلان الدولة العثمانية خسارتها الحرب أمام قوى الحلفاء جرى التوقيع في 30 أكتوبر/تشرين الأول 1918 على هدنة موندروس لإنهاء الصراع العسكري. وممثلاً عن الإمبراطورية العثمانية وقّع وزير البحرية رؤوف بك على المعاهدة في البارجة أجاممنون الراسية بميناء موندروس في جزيرة ليمني الواقعة في الشمال الشرقي من بحر إيجة الذي أخذت اسمها منه.

وتحتوي معاهدة الهدنة التي دخلت حيز التنفيذ في 31 أكتوبر/تشرين الأول 1918 على 25 مادة قصيرة غاية بالأهمية رسمت معالم الاحتلال الغربي للدولة العثمانية، أبرزها ما جاء في المادة السابعة التي تنص على أنه “يحق لقوى الحلفاء احتلال أي منطقة استراتيجية في حال حدوث أي شيء يهدد أمن هذه الدول”. وتفعيلاً لشروط المعاهدة، بدأت دول الاستعمار الغربي الانقضاض على أراضي الدولة العثمانية من الجهات الأربع وتقسيمها فيما بينها، وفي 13 نوفمبر/تشرين الثاني 1918 رست سفن دول الحلفاء في إسطنبول وأنزلت قواتها على الأرض معلنةً بذلك بدء الاحتلال الغربي للأراضي التركية.

وفُرض مزيد من الشروط “القاسية” بعد التوقيع على معاهدة سيفر في 10 أغسطس/آب 1920، التي أقرت بالاحتلال الغربي للأراضي التركية، فقد احتلت بريطانيا المدن جنوب شرق تركيا لربطها بالعراق الخاضع للاحتلال البريطاني آنذاك، واحتلت فرنسا المناطق والمدن الواقعة جنوب غرب تركيا ومن أهمها أنطاكيا ومرسين وأضنة، واحتلت إيطاليا الشريط الساحلي الغربي إلى عمق الأناضول، ومن أهم المدن التي احتلتها أنطاليا وموغلة، واحتلت أرمينيا بدعم روسي الجزء الشرقي كمدينة قارس لتوسيع مناطقها، واحتلت اليونان إزمير في الغرب والمدن الواقعة شمال غرب بحر مرمرة المتمثلة بإقليم تراقيا.

الكفاح الشعبي بقيادة أتاتورك

كان مصطفى كمال أتاتورك قائداً للجيش التركي الذي كان يدافع عن الحدود الجنوبية للإمبراطورية العثمانية قرب مدينة حلب شمال سوريا، ولكن بعد مشاهدة بلاده تتفكك وتُنهش من قبل قوى الاستعمار الغربي قدّم مصطفى كمال أتاتورك استقالته من منصبه كقائد في الجيش في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 1918 وتوجه بالقطار من مدينة أضنة إلى إسطنبول وكل تفكيره ينصب حول كيفية تحرير بلاده من الاحتلال الغاشم.

وبأمر من السلطان العثماني وحيد الدين وقوى الاحتلال البريطاني ركب أتاتورك سفينة بندرما في 16 مايو/أيار 1919 متوجهاً من إسطنبول إلى سامسون شمال تركيا لحث المقاومة الوطنية على تسليم السلاح والخضوع لقوى الاستعمار، وفور وصوله لسامسون يوم 19 مايو/أيار وعلى عكس الأوامر حشد الشعب وبقايا الجيش التركي المتفكك لمواجهة الاستعمار الغربي، وكانت خطبته في سامسون شعلة بداية أعظم حروب التحرير والاستقلال على مستوى العالم، وتجسدت بعبارته الشهيرة “إما الاستقلال وإما الموت”، واستمرت حرب الاستقلال ما يقارب أربع سنوات تكللت بتحرير البلاد وإعلان قيام الجمهورية التركية الحديثة.

وعلى إثر ذلك زار أتاتورك أهم مدن الأناضول وعقد بها المؤتمرات والاجتماعات الشعبية لحشد الشعب وتشجيعه للمشاركة بحرب التحرير والاستقلال، وفور وصوله إلى أنقرة أنشأ أول مجلس نواب وطني في 23 أبريل/نيسان 1920 وانتُخب رئيساً للمجلس معلناً أن أنقرة هي العاصمة الجديدة وأن الحكومة المُشكَّلة من طرف المجلس بأنقرة هي الممثل الوحيد للشعب التركي.

وبعد التضحية الكبيرة التي قدمها الشعب والجيش في معركة سقاريا الملحمية التي انتهت بهزيمة الجيش اليوناني المحتل في 13 سبتمبر/أيلول 1921، اضطر اليونانيون إلى الانسحاب باتجاه مدينة إزمير غرباً. وخلال عام أعيدت هيكلة الجيش وتحضيره لحرب التحرير النهائية التي انتهت بالانتصار على اليونانيين وتحرير إزمير يوم 9 سبتمبر/أيلول 1922، عقب ذلك التوقيع على هدنة مودانيا في 11 أكتوبر/تشرين الأول 1922 التي أعلنت عن انتهاء حرب التحرير والاستقلال التركية فعلياً.

معركة سقاريا انتهت بهزيمة الجيش اليوناني المحتل في 13 سبتمبر/أيلول 1921 (Others)
تأسيس الجمهورية التركية الحديثة

بعد التوقيع على معاهدة لوزان في 24 يوليو/تموز 1923 التي اعترفت بالجمهورية التركية وسيادتها، جرى الإعلان عن تأسيس الجمهورية التركية الحديثة بتاريخ 29 أكتوبر/تشرين الأول 1923، واختير النظام الجمهوري الديمقراطي صيغة للحكم في الجمهورية حديثة الولادة، وانتُخب مصطفى كمال أتاتورك رئيساً للدولة من قبل أعضاء مجلس الشعب في أنقرة، وبدوره عين عصمت إينونو رئيساً للوزراء، معلنين بذلك أول حكومة تركية في 30 أكتوبر/تشرين الأول 1923.

وبنيت الجمهورية على فلسفة حكم يرتكز على مبادئ (الديمقراطية والعلمانية والعدالة الاجتماعية) أساساً للجمهورية التركية الحديثة التي أوليت بها مجالات التعليم والزراعة والصناعة أهمية خاصة، فبنيت المدارس والمصانع بأنحاء البلاد كافة، ولم يفرَّق بين ذكر وأنثى في الحقوق والواجبات، بل على العكس أعطيت المرأة التركية حق الترشح والانتخاب بداية من الانتخابات المحلية عام 1930 ثم توسعت لتشمل الانتخابات كافة عام 1934، قبل أن تحصل المرأة الفرنسية على حقوقها بـ10 سنوات.

واحتضنت الجمهورية التركية الحديثة جميع أبنائها من مختلف التوجهات الدينية والعرقية والفكرية، فلم تشهد بدايات تأسيس الجمهورية أي عمليات إقصاء أو تهميش لأي من شرائح المجتمع. وسمح النظام الديمقراطي لجميع أفراد الشعب من مختلف الطبقات الاجتماعية والأعراق والديانات بأن يكونوا فاعلين في بناء الجمهورية الجديدة ويتقلدوا مناصب مهمة في الدولة، ولم تقتصر مناصب الحكم على عائلة أو طبقة غنية، بل على العكس فإن معظم من شغلوا هذه المناصب جاؤوا من عائلات فقيرة.

TRT عربي

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى